فهرس الكتاب
واختلفوا في حُكمِ هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هي منسوخةٌ؛ نُهُوا عن الابتداء بالقتالِ، ثُم نُسِخَ ذلك بقَوْلِهِ تَعَالَى:"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ" [البقرة:193] ، وهذا قولُ قُتَادةَ والربيع. وقال مقاتلُ:"وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم"أيْ حَيْثُ أدْرَكْتُمُوهُمْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ. لَما نزلت هذه الآية نَسَخَها قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"ثًُمَّ نَسَخَتْهَا آيةُ السيفِ التي في براءَةَ، فهي ناسخةٌ منسوخةٌ).
وقال آخرون: هذه آيةٌ مُحْكَمةٌ؛ ولا يجوزُ الابتداءُ في القتال في الحرمِ. وهو قولُ مجاهدٍ وأكثرِ المفسرين. وسُمِّيَ الكفرُ فتنةً؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنةَ تؤدي إلى الهلاكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"؛ أي فإن انتهوا عن القتال والكفرِ فإن اللهَ"غَفُورٌ"لِما مضَى من جَهْلِهم ولِما سلَفَ من كُفرِهم،"رَحِيْمٌ"بهم بعد تَوبَتِهم وإسلامِهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ"؛ أي قاتِلُوا المشركين حتى لا يكونَ شِرْكٌ؛ أي قاتِلُوهم حتى يُسلِمُوا، فليس يقبلُ من الوثنيِّ جزيةٌ ولا يرضَى منه إلا بالإسلامِ، وليسوا كأهلِ الكتاب الذين يؤخذُ منهم الجزيةُ. والحكمةًُ في ذلك: أنَّ مع أهلِ الكتاب كتبًا مُنَزَّلَةً فيها الحقُّ وإن كانوا قد أهمَلُوها، فأمهَلَهُم الله بحُرمةِ تلك الكتب من القتلِ وأمرَ بإذلالِهم بالجزية، ولينظرُوا في كُتبهم وليدبَّروها فيقفوا على الحقِّ منها فيتبعوهُ. وأما أهلُ الأوثان فليس لَهم كتبٌ تُرشِدُهم إلى الحقِّ وكان إمهالُهم زائدًا في شِركِهم؛ فأبَى اللهُ أن يرضَى منهم إلاَّ بالإسلامِ أو القتلِ.