فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ"؛ أي لَمَّا سارَ نَحوَ مِدْيَنَ، وكان قد خرجَ بغيرِ زاد ولا حِذاءٍ ولا ركوبةٍ، بل خرجَ هَائِمًا على وجههِ هاربًا من فرعونَ وقومهِ لا يدري أينَ يذهبُ، فخافَ أن يُخطِئَ الطريقَ. ومَدْيَنُ اسمُ ماءٍ لقوم شُعيب، وبينَهُ وبين مصرَ ثَمانيةُ أيَّامٍ، سُمي ذلكَ الماءُ باسم مَدْيَنَ بنِ إبراهيمَ عليه السلام.
فلمَّا لَم يكن لِموسى علمٌ بالطريق خَشِيَ أن يذهبَ يَمينًا وشِمالًا فـ"قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السَّبِيلِ"؛ أي يُرشِدَنِي قصدَ الطريقِ إلى مَدْيَنَ، فلمَّا دَعَا موسى بهذا جاءَهُ مَلَكٌ على فَرَسٍ فانطلقَ به إلى مَدْيَنَ. قال المفسِّرون: خرجَ موسَى من مصرَ بلا زادٍ ولا درهَمٍ ولا رُكوبَةٍ إلى مَديَنَ، وبينهما مسيرةُ ثَمان ليالٍ، ولَم يكن له طعامٌ إلاّ ورقَ الشَّجرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ"؛ أي بلغَ بئْرَهُمْ التي كانوا يَسْقُونَ منها، قال ابنُ عبَّاس: (وَرَدَ مَاءَهُمْ وَأنَّهُ لَيَرَى خُضْرَةَ الشَّجَرَةِ فِي بَطْنِهِ مِنَ الْهُزَالِ) . وقولهُ:"وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ"؛ أي وجَدَ على ذلك الماءِ جماعةً من الناسِ يَسْقُونَ أغنامَهم مواشِيهم،"وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ"؛ أي تَحْبسَانِ غنمَهما عن الماءِ حتى تفرغَ الناسُ ويخلو لَهما الماءُ، وهما بنْتَا شُعيب.
والذوْدُ في اللغة: الطَّرْدُ والدفعُ والكَفُّ، ومعنى"تَذُودَانِ"تَدْفَعَانِ وتكُفَّان الغنمَ مِن أن يخلطَ بأغنامِ الناس، وحتى يقربَ الماءُ إلى أن يفرغَ القومُ.