فهرس الكتاب
وقولهُ تعالى:"رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا"؛ أي رزْقًا مِن عندِنا،"وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ"؛ أنَّا فعَلْنا ذلك يعني أهلَ مكَّة، والمعنى: أوَلَمْ يجعل أهلَ مكَّة في أمَانٍ قبلَ الإيْمَانِ يُجْبَى إلى الحرمِ ثَمَراتُ كلِّ شيءٍ نعمةً من عندِنا، فكيفَ يخافون زوالَ الأمانِ،"وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ"لأنَّهم لا يتدبَّرُون ولا يتفكَّرُون.
ثُم خوَّفَهم بمثل عذاب الأُمَمِ الخاليةِ، فقال:"وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا"؛ أي كم أهلَكْنا مِن أهلِ قَرْيَةٍ بَطَرَتْهَا معيشَتها، والبَطَرُ: الطُّغيانُ عند النِّعمةِ، وَقِيْلَ: معناهُ: بَطَرَتْ في معِيشَتِها. قال عطاءُ: (عَاشُواْ فِي الْبَطْرَةِ، فَأكَلُواْ رزْقَ اللهِ وَعَبَدُواْ الأَصْنَامَ) .
وقوله تعالى:"فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا"؛ أي منازلُهم التي كانوا يسكنُونَها لَم يَسْكُنُهَا أحدٌ إلاّ المسافرونَ ومَارُّوا الطريقِ ينْزِلون ببعضِها يومًا أو ساعةً ثُم يرحَلُون. والمعنى لَمْ تُسْكَنْ مِن بعدِهم إلاَّ سُكونًا قليلًا،"وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ"؛ أي لَم نجعَلْ لَهم أحدًا بعدَ هلاكِهم في منازِلِهم، فبقيَتْ خَرابًا غيرَ مسكُونةٍ كقولهِ"إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا" [مريم:40] .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا"؛ معناهُ: وما كان ربُّكَ يَا مُحَمَّدُ مُعَذِّبَ القُرَى الكافرةُ أهلُها حتى يبعثَ في أعظَمِها قريةً رَسُولًا يُنذِرُهم ويقرأ عليهم آياتِنا، وخصَّ الأعْظَمَ من القُرى ببعثةِ الرَّسُولِ فيها؛ لأن الرَّسُولَ إنَّما يُبعَثُ إلى الأشرافِ، وأشرافُ القومِ وملوكُهم يسكنونَ المدائنَ والمواضع التي هي أمُّ ما حولِها.