فهرس الكتاب
والإفَاضَةُ: هي الدفعُ بالكثرةِ، يقال: أفاضَ القومُ في الحديثِ؛ إذا تدافعوا فيه وأكْثَرُوا التصرُّفَ؛ وأفاضَ الْمِرْجَلُ إنَاهُ؛ إذا صَبَّهُ، وفاضَ الإناءُ إذا انصبَّ منهُ الماءُ للامتلاءِ، وأفاضَ البعيرُ بجِرَّتِهِ؛ إذا رمي بها متفرقةً كثيرة.
وَعَرَفَاتُ: جمعُ عَرَفَةَ؛ وهي مكانٌ واحد ذكرها بلفظ الجمع؛ وإرادته جمعُ أجزائها. وسُميت عرفاتُ لارتفاعها من بشرِ الأرض، وقيلَ: سُميت بذلك لأن آدمَ وحوَّاء تعارفَا بها بعد التفاقُدِ. ويقال: لأنَّ جبريل عرَّفها إبراهيمَ عليه السلام ليقفَ عليها حين كان يعلِّمه أمرَ المناسكِ؛ فقال إبراهيمُ: عرفتُ. وقال بعضُهم: سُميت بذلك لأن الناسَ يَعْتَرِفُونَ في هذا اليومِ على ذلك الموقف بذنوبهم. وقيلَ: هي مأخوذةٌ من العُرف وهو الطِّيْبُ، قال الله تعالى:"عَرَّفَهَا لَهُمْ" [محمد:6] أي طيَّبها لهم.
قوله عَزَّ وَجلَّ:"ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"؛ قال عامَّةُ المفسرين: كانت قريشُ وحلفاؤها ومن دَانَ بدِينها وهم الْحُمُسُ لا يخرجونَ من الْحَرَمِ إلى عرفات؛ وكانوا يقفونَ بالمزدلفةِ يقولون: نحن أهلُ اللهِ وسُكَّانُ حَرَمِهِ؛ فلا يخلفُ الحرمَ ولا يخرج منه فلسنا كسائرِ الناسِ، كانوا يتعظَّمون أن يقِفُوا مع سائرِ العرب بعَرفات. ويقول بعضهُم لبعض: لا تعظِّموا إلا الحرمَ، فإنكم إنْ عظَّمتم غيرَ الحرم تَهاون الناسُ بحَرَمِكُمْ، فقِفُوا بجَمْعٍ، فإذا أفاضَ الناسُ من عرفات أفاضُوا من الْمَشْعَرِ وهو المزدلفةُ. فأمرهمُ الله أن يقِفُوا بعرفاتَ ويَفِيضُوا منها إلى المزدلفة مع سائرِ الناسِ فيكونَ المرادُ بالإفاضةِ في هذه الآية على هذا القولِ: الإفاضةَ من عَرفاتٍ.