فهرس الكتاب
وروي: أنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ خَرَجَ يَوْمًا يَتَمَشَّى، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: (مَنْ هَذَا؟!) قَالُواْ: هَذَا وَلَدُكَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: ادْعُوهُ، فَجَاؤُا بهِ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: (يَا بُنَيَّ! أتَدْري بكَمِ اشْتَرَيْتُ أُمَّكَ؟ اشْتَرَيْتُهَا بثَلاَثِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأبُوكَ لاَ كَثَّرَ اللهُ مِنْ مِثْلِهِ فِي النَّاسِ، أتَمْشِي هَذِهِ الْمِشْيَةَ؟!) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ"؛ الاخْتِيَالُ: هو التَّبَخْتُرُ في المشيِ، والفَخُورُ: هو الْمُتَطَاولُ بذِكْرِ المناقب على السَّامعِ والافتخار عليه، وذلك مذمومٌ لأن المستحقَّ على نِعَمِ اللهِ شُكرًا لا الْفِخْرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ"؛ أي تَوَاضَع ولا تتبختَر، وليكن مشيُكَ قَصْدًا لا تبختُرًا ولا إسراعًا. قال":"سُرْعَةُ الْمَشْيِ تَذْهَبُ بَهَاءَ الْمُؤْمِنِ " يقالُ: قَصَدَ فلانٌ في مشيتهِ إذا مشَى مُستوِيًا، وقال مقاتلُ: (لاَ تَخْتَلْ فِي مِشْيَتِكَ) ، وقال عطاءُ: (قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ"أيْ امْشِ بالْوَقَارِ وَالسَّكِيْنَةِ) كقولهِ تعالى: " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا" [الفرقان:63] ، والمعنى: اقصِدْ في الْمَشْيِ، لا تعجَلْ ولا تَمشِ بالْهُوَيْنَا."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ"؛ أي اخفِضْ صوتَكَ ولا ترفعْهُ على وجهِ انتهار النَّاس وإظهار الاستخفافِ بهم، وقال عطاءُ: (مَعْنَاهُ: اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إذَا دَعَوْتَ وَنَاجَيْتَ رَبَّكَ) ، وكذلك وصيَّةُ الله تعالى في الإنجيلِ لعِيسَى عليه السلام: مُرْ عِبَادِي يَخْفِضُوا أصْوَاتَهُم إذا دَعَونِي، فإنِّي أسمعُ وأعلَمُ ما في قلوبهم.