فهرس الكتاب
والمرادُ بقوله:"مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ"هم العربُ كلهم غيرُ الْحُمُسِ، وقال الكلبيُّ: (هُمْ أهْلُ الْيَمَنِ) . وقال الضحَّاك: (النَّاسُ هُنَا إبْرَاهِيْمُ عليه السلام وَحْدَهُ؛ لأَنَّهُ كَانَ الإمَامَ الْمُقْتَدَى بهِ، فَسَمَّاهُ اللهُ نَاسًا كَمَا قالَ اللهُ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى:"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً" [النحل:120] وَقَدْ يُسَمَّى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ باسْمِ الناسِ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى:"أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ" [النساء:54] يَعْنِي مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم) . وكذلك قولهُ"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ" [آل عمران:173] يعني نعيمَ بن مَسْعُودٍ الأشجعي"إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ" [آل عمران:173] يعني أبا سُفيان. وإنَّما يقالُ هذا لِمن هو نَدْبٌ يُقتدَى به أو يكون لسانَ قومهِ وإمامَهم.
وقال الزهريُّ: (النَّاسُ هَا هُنَا آدَمُ عليه السلام) ودليلهُ قراءة ابنِ مسعود: (ثُمَّ أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أفَاضَ النَّاسُ يَعْنِي آدَمُ) .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:"فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا"؛ أي إذا فرغتم من مُتَعَبَّدَاتِكُمْ"فَاذْكُرُواْ اللَّهَ"عَزَّ وَجَلَّ بالخيرِ"كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ"بل أشدُّ ذكرًا. وذلك أنَّهم كانوا يَقِفُونَ بعد قضاءِ المناسك يوم النحرِ بينَ المسجدِ الذي في مِنَى وبين الجبلِ، يتناشَدون الأشعارَ ويتفاخرون بذكرِ فضائلِ آبائهم، يقول أحدُهم: يا رب إنَّ عَبْدَكَ فُلانًا - يعني أباه - كان يفعلُ كذا وكذا من الخيرِ. فأمرَهُم الله تعالى أنْ يذكروهُ فهو الذي فَعَلَ ذلك الخيرَ إلى آبائهم، وأنَّ أيَادِيَهُ عندهم أكثرُ وأعظمُ من أيادي آبائهم عليهم.