فهرس الكتاب
قوله تعالى:"إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ"؛ يقولُ: إنما ينتفعُ بإنذارِكَ ووَعْظِكَ الذين يُطيعون ربَّهم في السرِّ،"وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ"؛ المفروضةَ، ولأن مَن خَشِيَ اللهَ واجتنبَ المعاصي في السرِّ مِن خشيةِ الله تعالى، اجتنبَها لا محالةَ في العَلانيةِ.
ويقال: إنَّ الخشيةَ في السرِّ، والإقدامَ على الطاعةِ في السرِّ، واجتنابَ المعصيةِ في السرِّ، أعظمُ عندَ اللهِ ثوابًا، كما قالَ النبيُّ":"مَا تَقَرَّبَ امْرِئٌ بشَيْءٍ أفْضَلَ مِنْ سُجُودٍ خَفِيٍّ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ " وأما عطفُ الماضِي في قولهِ تعالى"وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ"على المستقبَلِ في قولهِ " يَخْشَوْنَ"، ففائدةُ ذلك أنَّ وجوبَ خشيةِ الله لا تختصُّ بزمانٍ دون زمانٍ ولا بمكان دون مكانٍ، ووجوبُ إقامةِ الصَّلاة يختصُّ ببعضِ الأوقاتِ."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ"؛ أي ومَن تطَهَّرَ من دَنَسِ الذُّنوب والشِّركِ ليكون عند ربه زكيًّا، فإن منفعةَ تطَهُّرهِ راجعةٌ إلى نفسهِ،"وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ"؛ أي إليه يرجعُ الخلق كلُّهم في الآخرةِ،"وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ"؛ يعني الْمُشرِكُ والمؤمنُ،"وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ"؛ أي ولا الشِّركُ ولا الضَّلالُ كالنور والهدى والإيمان.
وقولهُ تعالى:"وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ"؛ ولا الجنَّةُ ولا النارُ. وقال عطاءُ: (يَعْنِي ظِلَّ اللَّيْلِ وَسَمُومَ النَّهَار) ،"وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَآءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ"؛ يعني المؤمنين والكافرينَ، وهذه أمثالٌ ضربَهَا اللهُ تعالى، كما لا تستوِي هذه الأشياءُ، كذلك لا يستوِي الكافرُ والمؤمن.