فهرس الكتاب
وأمَّا الفرقةُ الرابعة فيفسرونَها ويردُّون مثلَ هذه المتشابهات إلى الآياتِ المحكماتِ ويقولون: معناها ما ينظرُ الكفارُ بعد قيامِ الحجةِ عليهم، إلا أنْ يأتيَهم أمرُ اللهِ وهو الحسابُ، أو أن يأتيَهم عذابُ اللهِ؛ لأنَّ الإتيانَ لفظٌ مُشْتَبهٌ يحتملُ حقيقةَ الإتيانِ ويحتمل إتيانَ الأمرِ، وقد قامتِ الدلالةُ على أنَّ اللهَ تعالى لا يجوزُ عليه الإتيانُ والمجيء والانتقالُ والمزاولةُ؛ لأنَّ ذلك من صفاتِ الأجسام وَالْمُحْدَثِيْنَ، واللهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن ذلكَ، قال عليٌّ رضي الله عنه: (مَنْ زَعَمَ أنَّ اللهَ فِي شَيْءٍ أوْ مِنْ شَيْءٍ أوْ عَلَى شَيْءٍ فَقَدْ ألْحَدَ؛ لأنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ لَكَانَ مُحْدَثًا؛ وَلَوْ كَانَ فِي شَيْءٍ لَكَانَ مَحْصُورًا؛ وَلَوْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ لَكَانَ مَحْمُولًا) . وإذا كان لفظُ الإتيان مشتبهًا وَجَبَ رَدُّهُ إلى الْمُحْكَمِ نحوُ قولهِ تعالى في سورةِ النحل:"هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ" [النحل:33] .
وقال بعضُهم: معناه: هل ينظرونَ إلا أن يأتيَهم الله بظُلَلٍ من الغمامِ وبالملائكةِ أو معَ الملائكة، فتكونُ في معنى الباء، فعلى هذا التأويل زالَ الإشكالُ وسَهُلَ الأمرُ. وأما ذكرُ الظُّلَّةِ في الآية، فإنَّ الْهَوْلَ إذا بَدَا من الظُّلة المظلمةِ من الحساب كان أعظمَ وأشدَّ، يدلُّ قَوْلُهُ تَعَالَى في قصة شُعيب:"فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" [الشعراء:189] .