فنَفَرُوا من ذلكَ، وقال:"أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَاهًا وَاحِدًا"، فاغتاظوا مِن ذلكَ وخرَجُوا من عندِ أبي طالبٍ يقولُ بعضهم لبعضٍ: أمشُوا واصبروا على آلهتِكُم. فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ"؛ أي انطلقَ مِن مجلسهم وهم يقولون الذي كانوا فيه عندَ أبي طالب، وهم يقولون: اثبتُوا على عبادةِ آلهتِكُم واصبروا،"أَنِ امْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ"؛ على دِينكم،"إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ"؛ أي هذا الشيءُ يريده مُحَمَّدٌ"ولا يتمُّ له ذلك."
قولهُ تعالى:"مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى الْمِلَّةِ الآخِرَةِ"؛ أي قالُوا: ما سَمِعْنَا بهذا الذي يقولهُ مُحَمَّدٌ"من التَّوحيدِ في الملَّة الآخرةِ، يعنونَ النَّصرانية؛ لأنَّها آخِرُ الْمِلَلِ، والنصارَى لاَ تُوَحِّدُ بأنَّهم يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ."إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ"؛ أي قَالُوا: ما هذا الذي يقولهُ مُحَمَّدٌ"إلاَّ كذبٌ اختَلَقَهُ من تلقَاءِ نفسهِ، يعنونَ الذي جاءَ به من التوحيدِ والقُرآن.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا"؛ أي قالَ المشركون: اخْتُصَّ مُحَمَّدٌ"بالنُّبوة والكتاب من بيننا، ونحن أكبرُ منه سنًّا وأعظمُ شرَفًا! والمعنى بالذِّكْرِ القرآنُ."
يقول اللهُ تعالى:"بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي"؛ أي يقولون ما يعتقدونَهُ إلاّ شاكِّين،"بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ"؛ الاستئصالِ، وهذا تَهديدٌ لهم، أي أنَّهم سيذُوقوا العذابَ ثم لا ينتَفِعون بزوالِ الشَّكِّ في ذلكَ الوقتِ.