فهرس الكتاب
ومعنى الآية:"وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ"علَّة"لأَيْمَانِكُمْ"أي لا تجعلوا اليمينَ باللهِ مانعةً لكم من البرِّ والتقوى؛ وهو أن يجعلَ الرجلُ اليمينَ مُعْتَرَضًا بينهُ وبين ما هو مندوبٌ إليه أو مأمورٌ به من البرِّ والتقوى والإصلاحِ؛ يفعلُ ذلك للامتناع من الخيرِ؛ لأن المعترضَ بين الشيئين يمنعُ وصول أحدهما إلى الآخرِ. ومعنى"أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ"أي لا تَبَرُّواْ ولا تتقوا القطيعةَ، ولا تُصلحوا بين المتشاجرين كما قال امرؤُ القيس: فَقُلْتُ يَمِيْنَ اللهِ أبْرَحُ قَاعِدًا وَلَوْ قَطَعُواْ رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِيأرادَ بذلك: لا أبرحُ؛ وكان أبو العباس يُنكر إضمارَ حرفِ النفي في هذه الآية ويقولُ: (هَذَا إنَّما يَكُونُ فِي تَصْرِيْحِ الْيَمِيْنِ) كقولِكَ: واللهِ أقومُ؛ بمعنى واللهِ لا أقومُ. وأما في مثل هذا الموضعِ، فلا يجوزُ حذفُ حرفِ النفي. قال: (وَالصَّوَابُ أنَّ مَعْنَاهُ: لاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ كَرَاهَةَ أنْ تَبَرُّواْ) . فحُذفَ المضافَ وأُقِيمَ المضافُ إليه مقامَهُ؛ ونظيرُ هذا قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ" [النور:22] .
وذهبَ بعضُ المفسرين إلى أنَّ معنى الآية:"وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ"أي لا تَعْتَرِضُواْ باليمينِ بالله تعالى في كلِّ حقٍّ وباطلٍ؛ وهو نَهيٌ عن كثرة الحلفِ، لِما في ذلك من الْجُرْأةِ على الله عَزَّ وَجَلَّ والابتذالِ لاسمه في كلِّ حقٍّ وباطلٍ. يقال: هذه عُرْضَةٌ لكَ؛ أي عدة لك تبتذلُها فيما تشاءُ. ومعنى"أَن تَبَرُّواْ"على هذا الإثباتِ؛ أي لا تحلفوا في كلِّ شيء لأَنْ تبرُّوا إذا حلفتم وتتَّقوا الْمَآثِمَ فيها.