وأما الْحَبُّ المذكورُ في الآيةِ، فهو ما يُلقَى في الأرضِ من البَذْر، والرَّيحانُ هو ما يُخلَقُ من الحب في سُنبُلٍ رزْقًا للعبادِ، وقد يُذكَرُ الرَّيحانُ بمعنى الورَقِ كما يقولُ العربُ: خرَجنا نطلبُ ريحانَ اللهِ؛ أي رزقَهُ. والعَصْفُ: هو التِّبْنُ، والرِّيحانُ هو ثَمَرَتُهُ. وعن ابنِ عبَّاس: (الرَّيْحَانُ هُوَ خُضْرَةُ الزَّرْعِ) .
قرأ العامةُ: (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) كلٌّ بالرفعِ عطفًا على الفاكهةِ، والمعنى فيها الحبُّ وفيها الرَّيحانُ، ونصَبَها كلَّها ابنُ عامرٍ على معنى خلقَ الإنسانَ وخلقَ هذه الأشياءَ.
وقرأ أهلُ الكوفة إلاَّ عاصِمًا: (وَالرَّيْحَانِ) بالكسرِ عطفًا على (الْعَصْفِ) كأنه قال: والحبُّ ذو العصفِ وذو الرَّيحانِ، وهو الرزقُ الذي يخلَقُ في السُّنبل، فالريحانُ رزْقُ الناسِ، والعصفُ رزق الدواب، فذكرَ قوتَ الناسِ والأنعامِ.
ثم خاطبَ الجنَّ والإنسَ فقال:"فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"؛ وإنَّما قالَ الخطابُ للجنِّ والإنس؛ لأن تلك الأيامَ فيما مضَى تشتملُ على الجنِّ والإنس، والمعنى: فبأَيِّ نعمةٍ من نِعَمِ ربكُما تُكذِّبان من هذه الأشياءِ المذكورة، فإنَّها كلَّها مما أنعمَ اللهُ بها عليكم، من دلالتهِ إيَّاكم على توحيدهِ، ومن رزقهِ إيَّاكم ما به قِوَامُكم.
وإنما خاطبَ الجنَّ والإنسَ لأنَّهما مُشتَرِيكان في الوعدِ والوعيدِ. وإنما كُرِّرَتْ هذه الآيةُ في هذه السُّورة تقديرًا للنِّعمةِ وتأكيدًا للتذكيرِ بها على عادةِ العرب في الإبلاغ والاتِّباع.
وقال الحسينُ بن الفضلِ: (التِّكْرَارُ لِطَرْدِ الْغَفْلَةِ وَتَأْكِيدِ الْحُجَّةِ) . وَقِيْلَ: لَمَّا عدَّدَ اللهُ نعمةً بعد نعمةٍ، كرَّرَ هذا القولَ ترغيبًا في الشُّكر، وتحذيرًا من الكُفرِ والتكذيب بنِعَمِ اللهِ.