وهذه على وجهِ الحقيقة ليس بتكرارٍ؛ لأنه ذكَرَ كلَّ واحدٍ منها عُقيبَ نعمةٍ لم يتقدَّمْ ذِكرُها. وعن جابرِ بن عبدِالله قالَ:"قَرَأ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ"سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ:"مَا لِي أرَاكُمْ سُكُوتًا؟ لَلْجِنُّ كَانُوا أحْسَنَ مِنْكُمْ رَدًّا، مَا قَرَأتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِنْ مَرَّةٍ"فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"إلاَّ قَالُوا: لاَ بشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ""."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ"؛ أي خلَقَ أصلَ الإنسانِ وهو آدمُ من طينٍ يابسٍ إذا نُقِرَ صَلَّ؛ أي صَوَّتَ كالفخَّار وهو الْخَزَفُ الذي طُبخَ بالنار، يُسمَعُ منه الصوتُ إذا نُقِرَ وإذا اصْطَكَّ بعضهُ ببعضٍ. والمعنى: مِن طينٍ يابسةٍ كالْخَزَفِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ"؛ معناهُ: وخلقَ أصلَ الجنِّ وهو الْجَانُّ أبو الجنِّ من مارجٍ من نارٍ، وهو الصَّافِي من لَهَب النار، لا دُخَّانَ فيه. وَقِيْلَ: من لَهَب من نارٍ مختلطٍ بسوَادِ النار. وَقِيْلَ: إنه لسانُ النار الذي يكون في طرَفِها إذا التَهَبت.
وقال مجاهدُ: (هُوَ مَا اخْتَلَطَ بَعْضُهُ ببَعْضٍ مِنَ اللَّهَب الأَحْمَرِ وَالأَصْفَرِ وَالأَسْوَدِ الَّذِي يَعْلُو النَّارَ إذا أُوْقِدَتْ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَجَ إذا اخْتَلَطَ) . وَقِيْلَ: إنه نارٌ لا دخانَ لها تكون بين السَّماء الدُّنيا وبين حجاب دونَهما فأديمُ السَّماء يُرَى من ذلكَ الحجاب، ومن تلك النار تكون الصواعقُ."فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ".