وقرأ حمزةُ (الْمُنْشِآتُ) بكسر الشِّين، يعني المبتدئاتُ في السَّير اللاتي انسابَ جريُهن وسيرُهنَّ"فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى:"كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ"؛ أي كلُّ مَن على الأرضِ يَفنَى، وهذه كنايةٌ عن غيرِ مذكورٍ، ومعنى الآية: كلُّ مَن دبَّ ودرجَ على الأرضِ من حيوانٍ فهو هالكٌ، وفي هذا منعٌ من الرُّكون إلى الدُّنيا والاغترار بها. قال ابنُ عبَّاس: (لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأَرْضِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:"كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ" [القصص:88] فَأَيْقَنَتِ الْمَلاَئِكَةُ بالْهَلاَكِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ"؛ معناهُ: ويبقَى ربُّكَ، والوجهُ يُذكَرُ على وجهَين: أحدُهما: بعضُ الشَّي كوجهِ الإنسانِ، والآخر: يقتضِي الشيءَ العظيمَ في الذِّكر كما يقالُ: هذا وجهُ الرَّأي ووجهُ التَّدبيرِ، ولَمَّا ثبتَ أنَّ الله تعالى ليسَ بجسمٍ، كان المعنى: ويبقَى اللهُ الظاهرُ بأدلَّته كظُهور الإنسانِ بوجههِ.
وقولهُ تعالى:"ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ"أي ذُو العَظَمةِ والكبرياءِ واستحقاقِ المدحِ بإحسانهِ وإنعامهِ. والإكرامُ: إكرامهُ أنبياءَهُ وأولياءَهُ، فهو مُكرِمُهم بلُطفِه مع جلالهِ وعظَمتهِ.
وعن معاذ بنِ جبل قال:"مَرَّ رَسُولُ اللهِ"برَجُلٍ يُصَلِّي وَهُوَ يَقُولُ: يَا ذا الْجَلاَلِ وَالإكْرَامِ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ:"قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ"وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ":"الِظُّوا بيَا ذا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ""فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"."