وذهبَ مالكُ إلى أن العَوْدَ هو العزمُ على الوطئِ، قال: (وَإذا عَزَمَ عَلَى وَطْئِهَا بَعْدَ الظِّهَار فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، سَوَاءٌ أمْسَكَهَا أوْ أبَانَهَا أوْ عَاشَتْ أوْ مَاتَتْ) . وقال الشافعيُّ: (الْعَوْدُ هَا هُنَا هُوَ الإمْسَاكُ عَلَى النِّكَاحِ، إذا أمْسَكَهَا عُقَيْبَ الظِّهَار وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ تِلْكَ الْكَفَّارَةُ وَإنْ أبَانَهَا بَعْدَ ذلِكَ.
وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ إلى أنَّ معنى العَوْدِ هو أن يعودَ المقولُ فيه فيستبيحُ ما حرَّمَهُ بالظهار، وقد يُذكَرُ المصدرُ ويراد به المقولُ كما قال":"الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْب يَعُودُ فِي قَيْئِهِ"وإنَّما هو عائدٌ في الموهوب. ويقالُ: اللهُمَّ أنتَ رجَاؤُنا؛ أي مَرجُوُّنا، وقال تعالى:"حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" [الحجر:99] أي الْمُوقَنُ بهِ، والعَوْدُ في الشَّيءِ هو فعلُ ما ينقاضُ ذلك الشيءَ، وحروفُ الصِّفات يقومُ بعضها مقامَ بعضٍ كما في قولهِ تعالى:"وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ" [طه:71] ، فيكون المعنى: ثُمَّ يعُودون فيما قَالُوا."
والإمساكُ على النِّكاح عُقيبَ الظِّهار لا يكون عَوْدًا على وجهِ التَّراخي ولا يناقضُ لفظَ الظِّهار، فإنَّ الظهارَ لا يوجِبُ تحريمَ العقدِ حتى يكون إمساكُها على النكاحِ عَوْدًا، ثم على مذهب أبي حنيفةَ: إذا قصدَ أن يستبيحَها ثم أبانَها سقطَتِ الكفارةُ عنه.
وفي قولهِ تعالى:"مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا"دليلٌ على أنَّ هذه الكفارةَ إنما شُرِعَتْ لدفعِ الْحُرمَةِ في المستقبلِ، وفيه دليلُ تحريمِ التَّقبيلِ واللَّمسِ قبلَ التكفيرِ؛ لأنَّ قولَهُ تعالى:"مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا"يتناولُ جميعَ ضُروب الْمَسِيسِ.