فَأَرْسَلَ إلَى حَاطِبٍ فأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ:"يَا حَاطِبُ هَلْ تَعْرِفُ هَذا الْكِتَابَ؟"قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:"مَا حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ؟"قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، وَلاَ غَشَشْتُكَ مُنْذُ صَحِبْتُكَ، وَلاَ أحْبَبْتُهُمْ مُنْذُ فَارَقْتُهُمْ، فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ للهِ، إنِّي كُنْتُ امْرِءًا مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أكُنْ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إلاَّ وَلَهُ بمَكَّةَ مَنْ يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، وَأنَا غَرِيبٌ فِيْهِمْ، وَكَانَ أهْلِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَخَشِيتُ عَلَى أهْلِي فَأَرَدْتُ أنْ أتَّخِذ عِنْدَهُمْ يَدًا، فَوَاللهِ مَا فَعَلْتُ ذلِكَ شَكًّا فِي دِينِي وَلاَ رضًى بالْكُفْرِ بَعْدَ الإسْلاَمِ، وَلاَ ارْتَبْتُ فِي اللهِ مُنْذُ أسْلَمْتُ، وَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ تَعَالَى نَزَّلَ عَلَيْهِمْ بَأْسَهُ، وَإنَّ كِتَابي لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا.
فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللهِ"وَعَذرَهُ وَقَالَ:"إنَّهُ قَدْ صَدَقَ". فَقَاَمَ عُمَرُ رضي لله عنه وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ":"إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْريكَ أنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لأَهْلِ بَدْرٍ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ".
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً"؛ معناهُ: إنْ يُصادِفُوكم ويَظفَرُوكم في حالٍ لا يخافونَكم عليها يُظهِرُوا عداوتَكم،"وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ"؛ بالقتلِ والضَّرب،"وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ"؛ بالشَّتمِ والطعنِ،"وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ"؛ ويحبُّون أن تكفُروا باللهِ بعد إيمانِكم كما أنَّهم كافرون، والمعنى: لا ينفعُكم التقرُّب إليهم بنقلِ أخبار النبيِّ"إليهم."