قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا"أي انقَطِعْ إلى اللهِ في العبادة، وتأميلِ الخير منه دون غيرهِ. ومِن هذا سُمِّيت فاطمةُ الْبَتُولَ؛ لأنَّها انقطَعت إلى اللهِ تعالى في العبادةِ، والبَتْلُ في اللغة: القطعُ وتَميُّزُ الشيءِ من الشيءِ، ومنه صَدَقَةٌ بَتْلَةٌ؛ أي مُنقَطِعَةٌ من مالِ صاحبها، وطَلْقَةٌ بَتْلَةٌ: قاطعةٌ للزَّوجةِ.
وإنما قال"تَبْتِيلًا"ولم يقل تَبَتُّلًا على معنى تَبَتَّلْ لنَفسِكَ إليه تَبْتِيلًا. وقال ابنُ عبَّاس: (( مَعْنَى"وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا"أيْ أخْلِصْ إلَيْهِ إخْلاَصًا ) ). وقال الحسنُ: (( اجْتَهِدِ اجْتِهَادًا ) ). وقال شقيقُ: (( تَوَكَّلْ عَلَيْهِ تَوَكُّلًا) . وقال زيدُ بن أسلمَ: (( التَّبَتُّلُ: رَفْضُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَالْتِمَاسُ مَا عِنْدَ اللهِ ) ).
قَوْلُهُ تَعَالَى:"رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ"؛ قرأ أهلُ الحجاز وأبو عمرٍو ونافع وحفص (رَبُّ الْمَشْرِقِ) بالرفعِ على معنى: هُوَ ربُّ المشرقِ، وقرأ الباقون بالخفضِ على معنى نعتُ الرب في قوله"اسْمَ رَبِّكَ". وَقِيْلَ: على البدلِ منهُ، ويجوزُ أن تكون قراءةُ الرفعِ على الابتداءِ، وخبرهُ"لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ". وقوله تعالى:"فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا"؛ أي اتَّخِذهُ حَافِظًا لكَ، وكَفيلًا فيما وَعدَكَ من النصرِ والثواب لكَ ولأُمَّتِكَ.
قوله:"وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ"؛ يعني: وَاصبرْ يا مُحَمَّدُ على ما يقولهُ الكفَّار والمنافِقون من التكذيب،"وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا"؛ أي لا جَزَعَ فيهِ؛ أي اصْطَبرْ اقتَصِرْ على إظهار الوحي من غيرِ خُصومةٍ، وهذا قبلَ الأمرِ بالقتالِ.