قَوْلُهُ تَعَالَى:"نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ"؛ أي نحن خلَقنا أهلَ مكَّة وجميعَ الناسِ، وقوَّينا خلقَهم بعد أن خُلقوا من ضَعْفٍ. وَقِيْلَ: شدَدْنا مفاصِلَهم؛ لئلا يسترخِي منها شيءٌ؛ أي شدَدْنا بعضَها إلى بعضٍ بالعُروق والعصَب. وَقِيْلَ: يعني موضعَ البولِ والغائط، شدَدْناهما بحيث إذا خرجَ الأذى منهما يَنقَبضَا. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا"؛ أي وإذا شِئنا أهلَكناهم، وأتَينا بأشباهِهم فجعلناهم بَدلًا منهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ"؛ أي إنَّ هذه السورةَ موعظةٌ من اللهِ،"فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا"؛ أي طَريقًا بالعملِ الصالح. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا"؛ أي ما يَشاءُون اتخاذ السَّبيل إلاّ بمشيئةِ الله ذلك لكم، وقوله تعالى"إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا"أي عَليمًا قبلَ خَلقِكم بمن يتَّخذ سَبيلًا ومَن لا يتَّخذُ، حَكيمًا فيما أمَرَكم به.
واختلَفُوا في تفسيرِ هذه الآية، والصحيحُ: أنَّ معناها: وما تشَاءُون إلاَّ أنْ يشاءَ اللهُ لكم أن تشاءوا، ودليلُ ذلك أنه لَمَّا نزلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:"لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ" [التكوير:28] قَالُوا: قَدْ جُعِلَتِ الْمَشِيئَةُ لَنَا وَلاَ نَشَاءُ، فَشُقَّ ذلِكَ عَلَى النَّبيِّ"فَنَزَلَ"وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ"."