وعن أبي معاذٍ النَّحَوِيِّ قال فِي قولهِ تعالى:"لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا": (( أنَّ الْبَرْدَ النَّوْمُ ) )، ومثلهُ قال الكسائيُّ وأبو عبيدة، والعربُ تقول: مَنَعَ الْبَرْدُ الْبَرْدَ؛ أي أذهبَ البردُ النومَ، ولأنَّ العطشَان لينامُ فيبَرَدُ غليلُه، فلذلك سُمي النومُ بَردًا، قال الشاعرُ: وإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ وَإنْ شِئْتُ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاحًا وَلاَ بَرْدًاأي نَومًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"جَزَآءً وِفَاقًا"؛ انتصبَ على المصدر؛ أي جُوزُوا على وفقِ أعمالهم جَزاءً. وَقِيْلَ: تقديره: جزَينَاهم جَزاءً، وقولهُ تعالى"وِفَاقًا"أي وُفِّقوا أعمالهم وفاقًا كما يقولُ: قاتِل قِتالًا، والمعنى: جُوزُوا بحسب أعمالهم، قال مقاتلُ: (( وَافَقَ الْعَذابُ الذنْبَ، فَلاَ ذنْبَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، وَلاَ عَذابَ أعْظَمُ مِنَ النَّار ) ).
وقولهُ تعالى:"إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا"؛ أي إنَّهم كانوا لا يَخَافون أنْ يُحاسَبوا، والمعنى: أنَّهم كانوا لا يُؤمنون بالبعثِ ولا بأنَّهم يُحاسَبون،"وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّابًا"؛ أي وكذبوا بمُحَمَّدٍ"والقرآنِ تَكذيبًا، و (فِعَّالٌ) من مصادر التَّفعيلِ، قال الفرَّاءُ: (هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ يَمَانِيَّةٌ) ، يقال حَرَّقْتُ القميصَ حِرَّاقًا."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا"؛ أي وكلَّ شيء مِن الأعمال بيَّنَّاهُ في اللوحِ المحفوظ، كقولهِ تعالى:"وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ" [يس:12] . قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا"؛ أي يقالُ لَهم: ذُوقوا العذابَ في النار، فلن نزيدَكم إلاَّ ألوانَ العذاب لَوْنًا بعدَ لونٍ، وكلُّ عذابٍ يأتِي بعدَ الوقتِ، فهو زائدٌ على الأوَّلِ.