وَقِيْلَ: معنى"فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ"يعني كلمَتي فرعون حين قالَ"مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي" [القصص:38] وقَوله"أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى"وكان بينَهما أربَعون سَنةً. قال مجاهدُ: (( هَذا مَعْنَى الآخِرَةِ وَالأُوْلَى، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ، وَقَوْلُهُ تعالى"مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي" [القصص:38] هِيَ الْكَلِمَةُ الأُوْلَى ) )وهذا قولُ أكثرِ المفسِّرين.
وقال الحسنُ: (( مَعْنَى: نَكَالَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، الأُوْلَى: غَرَقُهُ فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابَهُ فِي الآخِرَةِ بالنَّار ) ). وعن ابنِ عبَّاس قالَ: (( قَالَ مُوسَى: يَا رَب أمْهَلْتَ فِرْعَوْنَ أرْبَعَمِائَةَ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ: أنَا رَبَّكُمُ الأَعْلَى، وَيُكَذِّبُ بآيَاتِكَ وَرُسُلِكَ، فَأَوْحَى اللهُ إلَيْهِ أنَّهُ كَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ سَهْلَ الْحِجَاب، فَأَحْبَبْتُ أنْ أكَافِئَهُ ) ). قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى"؛ أي إن في الذي فعلَ فرعونُ من العقوبةِ حين كذبَ عِظَةً لِمَن يخشَى عذابَ الله. والعبرةُ: هي الدَّلالةُ المؤدِّية إلى الحقِّ.
ثم خاطبَ مُنكرِي البعثِ فقالَ تعالى:"ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَآءُ"؛ الخطابُ لأهلِ مكَّة، يقولُ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا، معناهُ: أخَلقُكم بعدَ الموتِ أشدُّ عندَكم أمِ السَّماءُ في تقديرِكم؟ وهُما في قُدرةِ الله واحدٌ، وهذا كقولهِ"لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ" [غافر:57] . وقولهُ تعالى:"بَنَاهَا"؛ أي بنَاها مع عظَمِها، فكيف لا يقدرُ على إعادتِكُم مع صِغَرِ أجسامِكم؟!