فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 3352

قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا"، هذا مثلٌ آخرُ للمنافقين؛ وسَبَبُهُ لَمَّا ذكرَ اللهُ في المنافقين المَثَلَين المتقدِّمَين قالُوا: إنَّ اللهَ تعالَى أجلُّ وأعلَى من أَن يَضْرِبَ هذه الأمثالَ؛ فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ لأن البعوضةَ تَحيى ما دامَتْ جائعةً فإذا شبعَتْ هلكت؛ فكذلك المنافقونَ يَحْيَوْنَ ما افتَقَرُوا وإذا شَبعُوا بَطِرُواْ وهَلَكُوا. فكأنَّهُ قالَ تعالى: كيفَ أستَحِي مِن ضَرْب الْمَثَلِ في المنافقِين وأَنَا أضربهُ بالبعوضِ الذي هو مِثلُهم.

وَقِيْلَ: إنَّ المشركينَ لَمَّا نزلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا" [الحج:73] . وقَوْلُهُ تَعَالَى:"مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ" [العنكبوت:41] قالُوا: إن اللهَ تعالَى يضربُ المثلَ بالذُّباب والعنكبوت مع صِغَرِهما فإنَّهما يُعْجِزَانِ آلِهَتَهم.

ومعنى الآيةِ: أنَّ اللهَ لا يَمنعهُ الحياءُ أن يضربَ الحقَّ شَبَهًا ما بعوضةً فما أكبرَ منها مثلَ الذُّباب وغيرهِ. وَقِيْلَ: فما فوقَها في الصِّغَرِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ"؛ أي فيعلمون أنَّ المثلَ حقٌّ من ربهم؛ وأما الكافرون فيقولون: أيَّ شيءٍ أرادَ الله بذِكْرِ البعوضِ والذباب مثلًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا"؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: يُضِلُّ ويَخْذِلُ بالمثلِ كثيرًا من الناس، ويوفِّقُ لمعرفته كثيرًا،"وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ"؛ يعني الخارجينَ عن طاعة اللهِ. قيل: همُ اليهودُ في هذه الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت