فهرس الكتاب
وقال الحسنُ: (فِي هَذَا تَقْدِيْمٌ وَتأخِيْرٌ؛ مَعْنَاهُ: بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بكُفْرِهِمْ إلاَّ فقَلِيْلًا فَلاَ يُؤْمِنُونَ، وَالْمُرَادُ بالْقَلِيْلِ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ وَمَنْ تَابَعَهُ. أما دخولُ(مَا) في قوله تعالى"فَبِمَا نَقْضِهِم"فمعناه التأكيدُ؛ كأنه قالَ: فَينَقْضِهِمُ الْعَهْدَ، وجوابُ قولهِ تعالى"فَبِمَا نَقْضِهِم"مضمرٌ في الآية؛ تقديرهُ: فَبمَا نَقْضِهِمْ مِيْثَاقَهُمُ لَعَنَّاهُمْ، هذا لأنَّ أولَ الآيةِ ذمٌّ على الكفرِ، ومَن ذمَّهُ اللهُ فقد لَعَنَهُ، يعني مَن ذمَّهُ على الكُفْرِ. ويقالُ: إن الجالبَ للباقي قولَهُ:"فَبِمَا"قولهُ تعالى مِنْ بَعْدُ"فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ" [النساء:160] فقوله تعالى"فَبِظُلْمٍ"بدلٌ من"فَبِمَا نَقْضِهِم"، وجوابُهما جميعًا"حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ" [النساء:160] .
قوله عَزَّ وَجَلَّ:"وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا"؛ عَطْفٌ على ما تقدَّم؛ أي وَبجَحْدِهِمْ عِيْسَى وَالإنْجِيْلَ وَمُحَمَّدًا"وَرَمْيهِمْ مَرْيَمَ بالزِّنَا؛ وَهُوَ الْبُهْتَانُ الْعَظِيْمُ."
وذلك: أنَّ عِيْسَى عليه السلام اسْتَقْبَلَ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ جَاءَ السَّاحِرُ بْنُ السَّاحِرَةِ؛ وَالْفَاعِلُ بْنُ الْفَاعِلَةِ، فَقَذَفُوهُ وَأمَّهُ، فَلَمَّا سَمِعِ بذلِكَ عِيْسَى، قَالَ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبي وَأنَا عَبْدُكَ؛ بقُدْرَتِكَ خَرَجْتُ وَبكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، وَلَم أُتَّهَمْ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنْ سَبَّنِي وَسَبَّ وَالِدَتِي. فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ وَمَسَخَ ذَلِكَ الرَّهْطُ الَّذِيْنَ سَبُّوهُ وَسَبُّوا أُمَّهُ خَنَازِيْرَ، وَكَانُواْ رَمَوا أُمُّهُ بيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ مَانَانَ.