فصارَ هذا الكلامُ أصلًا في كلِّ موضعٍ اجتمعَ فيه معنيان: أحدُها حَاظِرٌ، والآخرُ مبيحٌ فأنَّهُ تَغْلُبُ جِهَةُ الْحَظْرِ، ولهذا قال":"الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أمُورٌ مُشَبَّهَةٌ، فَدَعْ مَا يُرِيْبُكَ إلَى مَا لاَ يُرِيْبُكَ، ألاَ وَإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، وَإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارمُهُ، فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوْشِكُ أنْ يَقَعَ فِيْهِ"وعن عمرَ رضي الله عنه أنه قالَ: (كُنَّا نَدَعُ تِسْعَةَ أعْشَار الْحَلاَلِ مَخَافَةَ الرِّبَا]."
قوله عزّ وَجَلَّ:"وَالنَّطِيحَةُ"؛ هي التي تُنْطَحُ حتى تَموتَ، وإذا تناطحتِ الحيواناتُ فَقَتَلَ بعضُها بعضًا في النِّطَاحِ فهي حرامٌ بالآية، قال ابنُ عبَّاس: (كَانَ أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ الشَّاةَ حَتَّى إذا مَاتَتْ أكَلُوهَا وَكَذلِكَ الْمَوْقُوذةُ) ، قال قتادةُ: (كَانَ أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَضْرِبُونَ الشَّاةَ بالبَعْضِ حَتَّى إذا مَاتَتْ أكَلُوهَا) ، يقالُ منهُ: وَقَدَهُ يَقِدُهُ إذا ضَرَبَهُ حتى أشفاَ على الهلاكِ. قال الفَرَزْدَقُ: شَغَارَةٌ تَقِذُ الْفَصِيلَ برجْلِهَا فَطَّارَةٌ لِقَوَادِم الأَبْكَار
قَوْلُهُ تَعَالَى:"يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ"؛ قال ابنُ عبَّاس: (لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ" [المائدة:3] جَاءَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ إلَى رَسُولِ اللهِ"فَقَالَ: إنَّ لَنَا كِلاَبًا نَتَصَيَّدُ بهَا فَتَأْخُذُ الْبَقَرَ وَالظِّبَاءَ وَالْحُمُرَ، فَمِنْهَا مَا نُدْركُ ذكَاتَهُ، وَمِنْهَا مَا لاَ نُدْركُ، وَقَدْ حَرَّمَ اللهَ الْمَيْتَةَ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) ."