فهرس الكتاب

الصفحة 858 من 3352

قال بعضُهم: إنما قالَ هذه المقالةَ فِنْحَاصُ ولم ينهَهُ الآخرون، ورَضُوا بقولهِ فأشرَكهم اللهُ فيها، وأرادوا باليدِ العطاءَ، لأن عطاءَ الناسِ وبذلَهم في الغالب بأيديهم، فاستعملَ الناسُ اليدَ في وصفِ الناسِ بالجودِ والبُخل. ويقالُ للبخيلِ: جَعْدُ الأَنَامِلِ؛ مقبوضُ الكفِّ؛ مكفوفُ الأصابعِ؛ مغلولُ اليدَين، قال الشاعرُ: كَانَتْ خُرَاسَانُ أرْضًا إذ يَزِيدُ بهَا وَكُلُّ بَابٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ مَفْتُوحُفَاسْتُبْدِلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أنَامِلهُ كَأَنَّمَا وَجْهُهُ بالْخَلِّ مَنْضُوحُوقولهُ تعالى:"غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ"جوابٌ عن كلامِهم على طريقِ المقابلَة في الازدواجِ؛ أي أمسِكَتْ أيديهم عن الإنفاقِ في الخيرِ، وجُعِلُوا بُخلاءَ واليهودُ أبْخَلُ الناسِ، ولا أمَّةٌ أبخلُ منهم. ويقال: معنى (غُلَّتْ أيْدِيهمْ) أي غُلَّت إلى أعناقِهم في نار جهنم، ويقال: لا يخرجُ يهوديٌّ من الدنيا إلاّ وتصيرُ يدهُ مغلولةً إلى عنقه.

قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ"أي عُذِّبوا بالجزيةِ، وطُردوا عن رحمةِ الله تعالى لقولهم:"يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ".

قَوْلُهُ تَعَالَى:"بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ"؛ عبارةٌ عن الجودِ وكثرة العطيَّة لِمَن يشاءُ، كما يقالُ: فلان بَسْطُ اليدَين، وبَاسِطُ اليدين إذا كان جَوادًا يعطي يَمنَةً ويَسرَةً، وعن ابنِ عباس: (أنَّ مَعْنَاهُ: بَلْ نِعْمَتَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ، وأرادَ نعمةَ الدينِ والدنيا، وَقِيْلَ: نعمتهُ الظاهرةُ ونعمته الباطنة. وَقِيْلَ: أراد بالتثنيةِ في هذا للمبالغةِ في صفة النعمةِ. قال الأعشى: يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ وَكَفٌّ إذا مَا ضَنَّ بالْمَالِ تُنْفِقُوهذا كلُّه لأنَّ اليهود قصَدُوا تبخيلَ اللهِ، فحوسِبُوا على قدر كلامهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت