فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ"؛ دليلٌ على أن المرادَ بجواب اليهود بيانُ بسطِ النعمة، وأنَّ اللهَ يرزقُ كيف يشاءُ بحسب المصالحِ، فربَّما كان الصلاحُ في أن يعتَبروا، وربَّما كان في أن يُوسِّع، ولا يخلو حُكمه عن الحكمةِ.
واعلم أن اليدَ في اللغة تتصرفُ على وجوهٍ؛ منها: الجارحةُ وهي معروفةٌ، وتعالَى اللهُ عن الجوارحِ. ومنها: النعمةُ كما يقال: لفلانٍ علَيَّ يدٌ؛ أي نعمةٌ. ومنها: القوةُ كما قال تعالى:"أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ"
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ"؛ أي ولو أنَّهم عمِلُوا بما في التوراةِ والإنجيل، ولم يكتُموا ما علمُوا من ذكرِ مُحَمَّد"فيها، وَعمِلُوا بـ؛"وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ"؛ يعني القرآنَ الذي أنزل على كافَّة الناسِ،"لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم"؛ أي لوسَّعنا عليهم الرزقَ بإنزالِ المطر من السماءِ، وإخراجِ النبات من الأرضِ والشجر والنباتِ. وفي الآيةِ بيانُ أن التُّقَى سببٌ لتوسعةِ الرزق، واستقامةِ الأمر في الدُّنيا والآخرة، ونظيرُ هذا قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ" [الأعراف:96] وقولهُ تعالى:"وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ" [الطلاق:2 - 3] ."