و بعد فقد علَّق الإمام البخاري في صحيحه عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قوله: ( ثلاث من جمعن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك ، و بذل السلام للعالم ، و الإنفاق من الإقتار ) .
قال الحافظ في الفتح: ( قال أبو الزناد بن سراج و غيره: إنما كان من جمع الثلاث مستكملًا للإيمان لأن مداره عليها ; لأن العبد إذا اتصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقًا واجبًا عليه إلا أداه , و لم يترك شيئًا مما نهاه عنه إلا اجتنبه , و هذا يجمع أركان الإيمان ) [ فتح الباري: 1 / 83 ] .
قلتُ: و بقَدر ما يبتعد المرء عن الإنصاف ، يكون الصواب عنه بعيدًا ، و من رامَ الحقَّ ، أنصفَ الخَلقَ و رَحِمَهم .
وطلبًا للإنصاف ، و إحقاقًا للحق ، لا غيرَ كان عَملي في هذا البحث ، تربيةً لنفسي ، و تذكيرًا لإخواني طلبة العلم بما ينبغي أن يكون عليه الحال تجاه أهل العلم و الفضل .
و خشية الإفراط في إجلال العلماء ، و تقديسهم عن الأخطاء ، كان لزامًا علينا التذكير بأنّهم بشَرٌ يصيبون و يخطئون ، و إن كانوا في معظم الأحوال موافقين للحقّ فيما يقولون و يفعلون ، و أنّهم عنه لا يعدلون ، إلا أن تقَع منهم زلّة ، في حال التباسٍ أو غَفلة .
فإن وقَعَت منهم الزلّة ( أو وَقعوا فيها ) رأيتَ الناس بسبَبِها فِسطاطين ، مُفرِطٌ و مُفَرِّط .
مُفرِطٌ في تتبّع الزلاّت سواء كان قَصدُه الأخذ بها في العَمَل تَرخُّصًا ، أو الطَعن بسببها فيمن صدَرَت عنه تطاولًا و تنقصًا .
ومُفرّطٌ فيما أوجبه الله عليه ، من عدَم التقديم بينَ يديه ، و عَدَم الغلوّ في أحَدٍ من خلقه بالردّ - قبل الكتاب و السنّة - إليه .
وكلا الفريقين مجانبٌ للصواب ، صائرٌ إلى تباب ، ما لم يمتنَّ الله عليه بالتوبة قبل الحساب .