قال - تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ) (هود/ 84-86) .
(ولا تنقصوا المكيال والميزان) أي: لا تطففوا، لأنهم كانوا مع كفرهم أهل تطفيف، كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد وكذلك إذا وصل إليهم الموزون أخذوا بوزن زائد، وإذا باعوا باعوا بكيل ناقص ووزن ناقص… والتطفيف من المحظورات أشد الحظر، لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل في الأخذ والدفع، ولو في القليل. لأن من دَنُؤتْ نفسه إلى القليل دل على فساد طويته وخبث ملكته، وأنه لا يقعده عن التوثب إلى الكثير إلا عجز أو رقابة [1] .
(إني أراكم بخير) : يريد بثروة واسعة تغنيكم عن التطفيف، أو أراكم بخير فلا تزيلوه عنكم بما تأتونه من الشر كقول مؤمن آل فرعون: (يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) (غافر/29) .
(وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) : وتكرر قوله في هذه السورة وغيرها: (يا قوم) يريد: (يا أهلي وأقربائي إني أحب لكم الخير والسداد في دينكم ودنياكم. وأخاف عليكم من عذاب مهلك إن لم تنتهوا عن الشرك والتطفيف.
وقوله: (عذاب يوم محيط) أي: مهلك، أو لا يشذ منه أحد، كقوله - تعالى: (وأحيط بثمره) (الكهف/42) ، وأصله من إحاطة العدو، وإحاطة اليوم تدل على إحاطة كل ما فيه من العذاب، وقد جاءتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وعذاب الدنيا لا يغني عن عذاب الآخرة فهم خالدون مخلدون في نار جهنم وبئس القرار.