د. عبد الكريم بكار
استقر في الخبرة البشرية أن الحياة الاجتماعية لا تستقيم دون قيام كل واحد من الناس بتحديد المجال الخاص به والذي يجد فيه ذاته، ويدافع من خلال الدفاع عنه عن كيانه ومصالحه. وربما كان هذا المستخلص الثقافي نابعًا من مستخلص آخر، هو أن طبيعة اجتماع الناس بعضهم مع بعض، تولد التوترات والمنازعات بسبب اختلاف الأفهام والأمزجة والمصالح..
ومن هنا فإن رسم المجال الخاص على جميع الأصعدة والمستويات يساعد على توفير أساس لاحترام الحقوق والواجبات وتوضيح ما هو مجال للنفوذ الشخصي، وما هو من قبيل ما هو متاح للتداول والاستخدام العام.
ما لا يستطيع بنو آدم الفكاك منه هو (القصور الذاتي) الذي يطبع كل منجزاتهم، ويولد لهم بالتالي ما لا يحصى من الالتباسات والإشكالات. ومن هنا نشأت فكرة (الاستدراك) على الأعمال السابقة ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه في الكثير من الشؤون المختلفة.
أعمال البر والإحسان تشكل نوعًا من الاستدراك لقصور النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إنها كرة أخرى على صعيد استعادة أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية المنقوصة.
التسامح الذي يعني التساهل واللين في التعامل مع الآخرين وفي رؤية الأحداث والمواقف - هو الآخر يشكل نوعًا من الاستدراك، إنه استدراك على قصور نظم الدلالة والفهم والتفسير، واستدراك على قصور التعريفات وغموض المصطلحات واستدراك على القصور في تحديد المفاصل في كل الأشياء ذات الأوساط المتغيرة.