المبحث الثالث
البعد عن المراء واللدد في الخصومة
وعامل آخر يقرب بين أصحاب الرأي المختلف، وهو: البعد عن المراء المذموم واللدد في الخصومة.
فالإسلام ـ وإن أمر بالجدال بالتي هي أحسن ـ ذم المراء، الذي يراد منه الغلبة على الخصم بأي طريق، دون التزام بمنطق ولا خضوع لميزان بين الطرفين.
وهذا ما ذم الله به الممارين من أهل الشرك والكفر، بمثل قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) [الحج/8-9] ).
ومن هنا جاء في الحديث ذم المراء، والترغيب في البعد عنه.
فعَن أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -- صلى الله عليه وسلم -- « أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَن حَسَّنَ خُلُقَهُ » (1) .
وعَن أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -- صلى الله عليه وسلم -- « مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ » . ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ -- صلى الله عليه وسلم -- هَذِهِ الآيَةَ {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَل هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} (58) سورة الزخرف (2) .
(1) - سنن أبى داود (4802 ) صحيح لغيره -الربض: حوالى الجنة وأطرافها
(2) - سنن الترمذى (3562 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ