فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 1019

د.جمال نصار

من العبث أن يراد صب الناس كلهم في قالب واحد في كل شيء، وجعلهم نسخًا مكررة، ومحو كل اختلاف بينهم، فهذا غير ممكن لأنه مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها"ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" (يونس: 119) .

ثم إن الاختلاف في الرأي بعيدًا عن الأصول إنما هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، والتنوع دائمًا مصدر إثراء، وخصوبة، فمن الناس من يميل إلى التشديد، ومنهم من يميل إلى التيسير، ومنهم من يأخذ بظاهر النص، ومنهم من يأخذ بفحواه وروحه، ومنهم من يسأل عن الخير، ومنهم من يسأل عن الشر مخافة أن يدركه، ومنهم ذو الطبيعة المرحة المنبسطة، ومنهم ذو الطبيعة الانطوائية المنكمشة.

وهذا الاختلاف في صفات البشر، واتجاهاتهم النفسية، يترتب عليه لا محالة اختلافهم في الحكم على الأشياء، والمواقف والأعمال، يظهر ذلك في مجال الفقه والسياسة، وفي مجالات السلوك اليومي للناس في الحياة.

والمتأمل في الاختلاف الواقع بين الصحابة والتابعين يجد أنه لم يتناول لُب الدين، فلم يكثر الاختلاف في وحدانية الله - تعالى -، وشهادة أن محمدًا رسول الله ، ولا في أن القرآن نزل من عند الله، ولا في أصول الفرائض كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج، ولا في طُرق أداء هذه التكاليف، وبعبارة عامة لم يكن خلاف في ركن من أركان الإسلام، ولا في أمر من الدين بالضرورة، كتحريم الخمر، والخنزير، وأكل الميتة، والقواعد العامة للميراث، وإنما الاختلاف في أمور لا تمس الأركان ولا الأصول العامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت