وكانت صدورهم تتسع لمن خالفهم في الرأي، بل قد يتعمد أحدهم أمام قرينه المخالف له في الرأي ألا يأتي أمرًا في مجلسه يشعره بذلك، كراهية منهم للخلاف، واحترامًا لشعور المخالفين، فلم يكن الاختلاف في الرأي أداة مقصودة لذاتها، وإنما الاجتهاد المعرَّض للثواب والخطأ، والذي يظهر فيه تمايز العقول، وتفاوتها في التفكير، ليظهر ثمرة ذلك في الطاقة العقلية التي يبذلها المجتهد، ولتتحقق على يده الحلول التي تعالج قضايا الناس في مختلف العصور.
ومن ذلك يتبين أن الخلاف بينهم لم يكن لمجرد الهوى والتشهي، وإنما كانت له أسبابه الجدية التي ينبني عليها العمل لا القول فقط، ساعين إلى إحقاق الحق ولو على لسان المخالف، ورحم الله الإمام الشافعي - رضي الله عنه - حيث قال:"رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وقال أيضًا"والله لوددت أن يظهر الله الحق ولو على لسان خصمي".
وعلى هذا يكون الاختلاف بالوصف الذي ذكرناه رياضة للأذهان وتلاقحًا للآراء، وفتحًا لمجالات التفكير للوصول إلى سائر الافتراضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول إليها، بالآداب الإسلامية التي نتحدث عنها فيما بعد.
وما أروع ما قاله الأستاذ البنا - رحمه الله - عند حديثه عن ركن الفهم في الأصل الثامن حيث يقول:"الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببًا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء، ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب".
ـــــــــــــــ