الخلاف سنة بشرية يعكس في حقيقته اختلاف الطبائع والنفسيات وتفاوت المدارك والتصورات؛ ومع ذلك فإن التعامل مع السنَّة البشرية يجب أن يكون بعيدًا عن التسليم المطلق أو المواجهة المطلقة؛ فالنفس مجبولة على خصال من الشر، كما أنها مجبولة على خصال من الخير.
والتسليم بهذه الحقيقة غير التسليم لها؛ فالتسليم لهذه الخصال بدعوى الواقعية مهلك ولا شك، كما أن إنكارها والتعالي على فهمها في اتجاهات الآخرين وتسويغ فعالهم هو جنوح إلى عالم الخيال أو المثال.
ويبقى بعد هذا وذاك أن المسؤولية الشرعية تقع على ما يملكه الإنسان من التجرد لله من شوائب الهوى، وحظوظ النفس، لا على ما لا يملكه من طبيعة التنشئة واختلاف المدارك، وفرق كبير بين الآمرين.
نعمة أم نقمة؟
الخلاف رحمة باعتبار، وبلاء ونقمة باعتبارات أخرى، ويبقى وجود الهوى أو عدمه العامل الأساس لقلبه من الرحمة إلى النقمة أو العكس؛ فانتفاء الهوى حتى مع بقاء الخلاف يلقي بظلال الود ويزيح معاني التطرف في التعامل مع المخالف، ويبقى الأمر في أشد الظروف في دائرة:"إخواننا بغوا علينا"كما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
والمتأمل في ساحة العمل الإسلامي يلاحظ بوضوح أن بلايا الخلاف الواقع ورزاياه في أحوال كثيرة ليست في ذات الخلاف الناشئ عن اختلاف المدارك والتصورات والخلفيات بقدر ما هي في شطحات الهوى المصاحبة لهذا الخلاف التي تخرج به عن دائرة العقل والدين!
إن جمع الأمة على عقل واحد يبقى أمنية مغرقة في الخيال، ولكن جمع الأمة على أدبيات واحدة يبقى غاية لابد من أن تنال بإذن الله - تعالى -.
والواقع المؤسف أن خلطًا واسعًا يجري بين الخلاف الذي تبقى ساحته هي الآراء والأفكار، بل والتطبيقات الفرعية القابلة للاجتهاد، وبين الاختلاف الذي لا يقتات إلا صفاء القلوب، وسلامة الصدور، وطهارة الألسن.