متعب بن فرحان القحطاني
إنها سطورُ مكاشفةٍ ومصارحة..
إنها عملية ترميمٍ لما تصدّع من بنيان التربية..
إن شئتَ قُلْ إنها همساتٌ أخويّة تداوي قلوبًا مريضة..
وإن شئتَ فقُلْ إنها كلماتٌ جريئة في فضح الأدعياء..
كتبتها حين سمعت أصواتًا نشازًا تؤذي مسامع الدعاة العاملين المرهفة..
تقيّد إقدامهم بهمزٍ ولمزٍ فاضح، وتطعن همَّتَهم بخنجرٍ مسمومٍ من القول الجارح..
تلك الأصوات لم تكن لعدوٍ ظاهر أو منافقٍ معلومِ النفاق..
بل لأقوامٍ يزاحمون أهل الصلاح والإلتزام بمناكبهم.. ويقفون معهم لخدمة دين الله في خندقٍ واحد..
ولكنهم بغوا على إخوانهم وأصابوهم بطائش سهامهم..
ادّعَوا أن الصوابَ رداؤهم والحقَ تحت عمائمهم.. فحجّروا واسعًا..
تقرّبوا إلى الله - جهلًا- بإيذاء إخوانٍ لهم.. يظنون أن ذلك يقرّبهم إلى الله زُلفى.. وما بلغهم"ولا يقبل اللهُ إلا الطيّب" (1)
مَن يشتري لسانَ طاعنٍ أو يشدّه بنِسْعَةٍ (2) ؟!
"كانت العرب في جاهليتها تعاقب الشاعر الهجّاء بشدِّ لسانه بنِسعةٍ، أو تشتري منه لسانه بمعروفٍ يصنعونه له فيمسكه عنهم، فكأنما ربطوا لسانه."
ولما جاءت رسالة الإسلام أقرَّ رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - هذه العادة حين أمر في غزوة حنينٍ يوم توزيع الغنائم، فقال:"اقطعوا عني لسانه"، أي أسكِتوه بالعطاء.
وأمضى الفاروق عمر -رضي الله عنه- هذه السُّنة في الحُطيئة (3) لما أكثر من هجاء الزبرقان بن بدر التميمي -رضي الله عنه- وقال فيه ذمًّا مقذعًا ظنَّه عمرُ مدحًا حتى سأل حسان بن ثابت عنه أهو هجاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما هجاه ولكن سلح عليه بقوله:
(دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها *** واقعدْ فإنكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي) (4)
فسجنه عمرُ في المدينة، فاستعطفه الحطيئة بأبياته المشهورة:
(ماذا تقولُ لأفْراخٍ بذي مرخٍ *** زُغْبُ الحواصل لا ماءٌ ولا شجرُ