د. أحمد عبد الرحمن
التطور .. التقدم .. التغيير .. شعار النخبة الثقافية .. بل دينها وديدنها ! , ومعه وفيه شعارات الحداثة والمعاصرة .. وضده كل قبيح منبوذ كريه: الثبات والإطلاق والخلود .. وإن شئت أن تسعد نفسًا , أو تطرب قلبًا , أو تستميل عقلًا فصف صاحبه بالتطور أو انْعته بالتقدم , أما إن أردت أن تهين كاتبًا أو تنفر من مذهب فَاعْمد إلى الثبات فأَلْصِقْه به ! , ولقد بلغ الهوس بأحدهم حد القول إن الله هو التقدم ! وهكذا الشأن في الدول أيضًا فدول العالم تُصنَّف على أساس التطور: أَرْفَعُهنَّ المتطورة ووسطاهن التي تسير في طريق التطور وأحطُّهن غير المتطورة .
وتأمل عنوانات المؤسسات وأسماء الأحزاب والصحف تجدها تتبارى في التسمي بالمتطورة والتقدمية والحديثة والمعاصرة والجديدة .. وهذا كله تقليد بحت غير نقدي للتوجهات التطورية الأوربية .. وقد نشرت مئات الكتب وآلاف المقالات وانعقدت عشرات المؤتمرات للحديث عن التطور والحداثة والتجديد .. وانقسم العالم الإسلامي كله إلى أنصار للتطور وأنصار للإسلام الذي أَلْصقوا به وَصْمَةَ الجمود والتحجر لأنه يتبنى ثوابت مطلقة خالدة !
ولقد مددوا نطاق التطور لكي يشمل كل شيء من الحياة الحيوانية (كما هو أصل نظرية دارون) إلى الحياة الإنسانية , والمجتمع البشرى وتركيبه , والعلاقات الاجتماعية بين الأفراد والطبقات , والنظم السياسية والاقتصادية والتربوية , والمبادئ التشريعية والقيم الأخلاقية والأدوات والوسائل التقنية , والعلوم المادية والإنسانية .
وقد ظن الأستاذ فريد وجدي أن مذهب التطور الشامل هذا لا علاقة له بالدين وهذا خطأ ويكفى أن نذكر أن نظرية التطور تناقض ما جاء في الإسلام عن خلق الإنسان , والثقافة الإسلامية تُعتبر عندهم ثقافة منحطة على سلم التطور ! فإما التطور وإما الفناء ولا خيار أمام المسلمين سوى هذا !