فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 1019

من هذا المنطلق فإن التسامح لا يعبر عن النبل والكرم الذاتي بمقدار تعبيره عن الحاجة والضرورة. والمواقف التي ينقصها التسامح والتنازل والملاطفة، لا تفقد شيئًا كماليًا من قبيل الزخرفة، وإنما تفقد شيئًا بنيويًا، لا يشعر بالاستغناء عنه إلا من أصيب بقصر النظر وفجاجة الإدراك. إن الإحساس المترهل تجاه قضية التسامح نابع من الظن بأن التسامح عبارة عن تبرع نجود به في حالة التعامل مع أشخاص أشرار أو التعامل مع مواقف عدوانية أو مواقف تفتقر إلى اللباقة أو الكياسة الاجتماعية. وأعتقد أنه قد آن الأوان لتغيير هذه النظرة، والصيرورة إلى رؤية تجعل من التسامح أمارة على وضع الأمور في نصابها وعلى السير في الاتجاه الصحيح. ولعلي أقف مع مسألة التسامح الوقفات الآتية:

? لا نستطيع أن نتعلم (التسامح) من خلال قراءة كتاب أو سماع محاضرة. كما أن التسامح لا يشكل مجموعة مواد نضعها في مقدمة دستور ونحاول التقيد بها. إنه شيء أكبر من ذلك وأعمق. إن التسامح شيء يسري في أعماق نظم التفكير والتعبير السوي، وشيء نتعلمه بطريقة لا واعية من خلال العيش في بيئة ثقافية تنظر باحترام وتقدير إلى الظروف الصعبة التي يمر بها الآخرون، كما تأخذ بين الاعتبار طبيعة المشكلات التي تخترق نظم التواصل الاجتماعي ونظم إدراك الأشياء والتعبير عن الذات والحقوق والرغبات.

ومن هنا فإن التحدي الذي يواجهنا هو النجاح في تأسيس تقاليد ثقافية تجعل من التسامح أسلوب حياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت