وقوله شعيب: (إني أخاف عليكم) يذكرنا بقول نوح لقومه: (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) ، وهكذا أنبياء الله ورسله يشفقون على أقوامهم، ولا يقابلون السيئة بمثلها، وهكذا يجب أن يكون الدعاة إلى الله.
(ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط) أي: أتموهما، والقسط: العدل، وهو عدم الزيادة والنقص، وإن كان الزيادة على الإيفاء فضل وخير، وهذا أمر بالواجب بعد النهي عن ضده لتأكيده [2] .
(ولا تبخسوا الناس أشياءهم) البخس: الهضم والنقص، ويقال للمكس البخس، وكانوا يأخذون من كل شيء يباع شيئًا كما تفعل السماسرة، أو كانوا يمكسون الناس أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء فنهوا عن ذلك [3] . وقال الألوسي: (وقيل: المراد بالبخس المكس كأخذ العشور على نحو ما يفعل اليوم) .
قلت: رحم الله الألوسي، لقد جاء قوله هذا في تفسيره (روح المعاني) الذي كتبه قبل بضعة عقود، ترى ماذا كان سيقول لو عُمَّر قليلًا ورأى الأنظمة التي تسمى بالاشتراكية، وقوانين التأميم ومصادرة أموال الناس وممتلكاتهم؟!
ماذا سيقول لو رأى القوانين الربوية والأنظمة المصرفية؟!. لقد شاهد - رحمه الله - بدايات الانحراف، وكانت هذه البدايات مستغربة أشد الاستغراب عنده، وعند أمثاله من العلماء، وأصبحت هذه الانحرافات رغم خطورتها وبشاعتها شيئًا مألوفًا عند كثير من علماء عصرنا، مع أن بينهم وبين الألوسي بضعة عقود من الزمن!!
وبعد هذا الاستطراد نعود إلى الحديث عن البخس، جاء في المنار: (هذا أعم مما سبقه في البخس يشمل القنص والعيب في كل شيء، يقال بخسه حقه وبخسه ماله وبخسه علمه وفضله. والأشياء جمع شيء وهو أعم الألفاظ وجمعه يشمل ما للأفراد وما للجماعات والأقوام من مكيل وموزون ومعدود ومحدود بالحدود الحسية ومن حقوق مادية ومعنوية) [4] .
وبخس قوم شعيب ومعظم تجار عصرنا نوع من أنواع البخس الكثيرة…