القسم الأول: أبدأ به مستهلًا ببعض أهم مقومات الخطاب الفكري الغربي المعاصر، والتي منها الاعتماد على الجدل والمنطق الاستنتاجي، ومركزية المفهومات، وأهمية النظرية والتنظير في العلوم الإنسانية، واعتماد بُناها وأنظمتها المعرفية على التحليل والنقد.
أما القسم الثاني: فأناقش فيه بعض القضايا أو الجوانب المتعلقة بكتابة الحوار الفكري، وهي خيارات التأليف والترجمة وإعادة الصياغة.
أما القسم الثالث والأخير: فسوف أركز فيه على بعض المقترحات والحلول العملية والممكنة، والتي أرى أن تجمع بين الاستفادة من الأساليب الفكرية والبلاغية السائدة في الخطاب الفكري الغربي، وبين التفكير والنظرة الاستراتيجية لمستقبل حوار الثقافات الفكري، ومحاولة التقريب بينهما قدر الإمكان.
* أولًا: مقومات الخطاب الفكري الغربي:
إن من أهم ما يميز التفكير الغربي، أو الكتابة الفكرية الغربية: الالتزام بـ «الأسلوب الجدلي» المبني غالبًا على «المنطق الاستنتاجي» ، وليس المقصود هنا «منطق أرسطو» الاستنتاجي الذي شاع استخدامه في الجدل الفلسفي والبرهان العلمي قديمًا، والذي يعتمد على الأقيسة المنطقية الصارمة المبنية على مقدمات قطعية أو يقينة مجردة ولكنها ملزمة، وتؤدي إلى نتائج ملزمة وإن كانت أحيانًا غير منطقية، ولكن المقصود هو «الجدل الاستنتاجي» المبني على المقدمات العامة والشائعة أو المقبولة في سياقات خطابها المتعددة، والتي لا تلتزم بشكل معين متكرر دائمًا، أو تؤدي إلى نهايات ملزمة كما هو الحال في المنطق الأرسطوي، بل تنطلق من «العام» ؛ أي الاستهلال بفكرة أو حجة عامة واضحة تحدد الموضوع المراد طرحه، إلى «الخاص» والمحدَّد، مع دعم الفكرة أو الحجة الرئيسة بالبراهين والأدلة والأمثلة التفصيلية.