إن فريقًا ممن يزعمون الإيمان بفكرة الحوار البناء والنقاش الموضوعي النزيه وممن يهتمون بأساليب لمِّ الشمل ونبذ الفرقة هم أشد الناس كفرًا بهذه النظريات فما تلبث مزاعمهم الهشة أن تنكشف أمام سيل الأحداث المتعاقبة والفتن المتلاحقة، ذلك أن الحوار حين يقوده من لا يريد التنازل عن رأيه قيد أنمله فإنه لا يعدوا أن يكون اجتماع بلوره عاقدوه ـ شعروا أم لم يشعروا ـ على تضييع الوقت به واستهلاك مادة الكلام فيه، فالنقاش حين يكون هدفه المبطَّن انتصار للذات وإثبات لشهوة المجادلة الساعية للإسكات ومن ثم الإطاحة بفكرة المُنَاقَش وتذليلها وإذابتها ولو حملت في طيها أحيانًا بوادر الحق وبراعم يافعة تتقبل التصحيح والتنمية كل هذا يؤكد هشاشة تلك المبادئ الحوارية وضعف روادها.
إن محاولة الرقي للأفضل بعيدًا عن سلالم المكاشفة والمصارحة وتقليل الأخطاء وتوضيحها ومواجهة المخطئ بها كل هذا يصيب المجتمع بأمراض القوة الوهمية والإعجاب بالتفاهات. وبالمقابل فإن إزالة الغشاوة عن الحوار مطلب مشرق ومضيء لأولي الأبصار.
إن الآداب الإسلامية الراقية ينبغي أن تظهر في مكانها المناسب وسط الحوارات الهادفة البناءة وألا تكون مترددة دائمًا على الألسن دون أن تهذبها أو تتطبع بها، فبإمكاننا أن نكون مقنعين لكل الناس بما نريد إذا ملأنا عقولهم بما يريدون وذلك بسلوك بعض الأساليب الفنية المركبة الساحرة التي لا تضرنا في عقيدتنا ولا تهز من ثوابتنا.
إن الناس يعجبون دائما بمن يفتحون لهم الصدور بأريحية مطلقه وبمن يتقبلون أفكارهم ويتفاعلون معها بروح المحبة والمصافاة، إنهم قد يتنازلون عن بعضها إذا أحسوا فقط بأمانة من أمامهم وبصدق الرسالة التي يحملها بين جنبيه ذلك أنه ومن على شاكلته من الصادقين المخلصين إن يريد إلا الإصلاح ما استطاع فقمنٌ أن يطاع بما يستطاع.
فما أجمل الحق حين يبحث عنه مبتغيه بصدق ونزاهة وما أسرع الوصول إليه إذا أبعد عن نفسه غشاوة المكابرة فبهجرها وطردها يصل إلى بغيته بإذن الله وتوفيقه.
ـــــــــــــــ