وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل يصلى خلفه؟ فقال:"كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب" (125) . وصلى الشافعي - رحمه الله - الصبح قريبًا من مقبرة أبي حنيفة - رحمه الله - فلم يقنت - والقنوت عنده سنة مؤكدة - فقيل له في ذلك، فقال:"أخالفه وأنا في حضرته"وقال أيضًا:"ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق" (126) .
وكان مالك - رحمه الله - أثبت الأئمة في حديث المدنيين عن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - وأوثقهم إسنادًا، وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة رضوان الله عليهم أجمعين، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى، وقد حدّث وأفتى رضي الله عنه ، وألّف كتابه"الموطأ"الذي توخى فيه إيراد القوي من حديث أهل الحجاز، كما نقل ما ثبت لديه من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وبوّبه على أبواب الفقه فأحسن ترتيبه وأجاد، وقد اعتبر"الموطأ"ثمرة جهد الإمام مالك لمدة أربعين عامًا، وهو أول كتاب في الحديث والفقه ظهر في الإسلام ، وقد وافقه على ما فيه سبعون عالمًا من معاصريه من علماء الحجاز، ومع ذلك فحين أراد المنصور كتابة عدة نسخ منه، وتوزيعها على الأمصار، وحمْل الناس على الفقه الذي فيه حسمًا للخلاف كان الإمام مالك أول من رفض ذلك، فقد روي عنه أنه قال:"يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وأتوا به من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم… فقال الخليفة: وفقك الله يا أبا عبد الله" (127) .
فأي رجل هذا الإمام الجليل الذي يأبى أن يحمل الناس على الكتاب الذي أودع فيه أحسن ما سمع من السنة، وأقوى ما حفظ وأدرك من العلم الذي لا اختلاف فيه عند أهل المدينة وذلك الحشد من علماء عصره.