ونحن لا ننكر أن هناك مواقف لم تلتزم فيها هذه الآداب، أو خلت من تلك السمات الخيرة التي ذكرناها، ولكنها كانت مواقف من أولئك المقلدين أو المتأخرين الذين أشربوا روح التعصب، ومردوا على التقليد، ولم يدركوا حقيقة الروح العلمية العالية الكامنة وراء أسباب اختلاف الفقهاء، ولم يلهموا تلك الآداب الرفيعة التي كانت وليدة النية الصادقة في تحري الحق، وإصابة الهدف الذي رمى إليه الشارع الحكيم، ويبدو أنهم كانوا من أولئك الذين قال فيهم الإمام الغزالي:
فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزّة بالإعراض عن السلاطين أذلّة بالإقبال عليهم.
والمطلوب سيد نفسه لا ينزع إلا عن الحق، والطالب باع نفسه فلا يشدو إلاّ بما يطيب لشاريه، فحولوا الاختلاف الذي كان نعمة أثرت الفقه الإسلامي وأثبتت واقعية هذا الدين ورعايته لمصالح الناس إلى عذاب أليم، وصار عاملًا من أخطر عوامل الفرقة والتناحر بين المسلمين.. بل تحول إلى نقمة بددت الكثير من طاقات الأمة فيما لا جدوى منه، وشغلتها بما لا ينبغي أن تنشغل به.
والاختلاف الذي تعرضنا لبعض جوانبه في الصفحات السابقة وألمحنا إلى ما كان في رجاله من آداب رفيعة هو الاختلاف الذي وضع فيه الكاتبون كتبهم في"أسباب اختلاف الفقهاء"قديمًا وحديثًا، أما الخلاف الذي تلا تلك القرون الخيرة فهو خلاف من نوع آخر، كما أن له أسبابًا أخرى مختلفة.
ـــــــــــــــ