فهرس الكتاب

الصفحة 736 من 1019

فالاختلاف ما دام اختلاف تعارض ينقض بعضه بعضًا شر لا يسلم منه إلاّ من كان معه الصواب؛ فإذا توزع الصواب بين المختلفين كان معهم من الخير والبعد عن الذم بمقدار ما معهم من الحق، ومع ذلك قد يُعذر فيه المجتهد المخطئ، بل يثاب لإرادته الخير وقصده، ولهذا يسلم من آثار الاختلاف المذموم المجتهدون الذين استفرغوا وسعهم في معرفة الحق والعمل به.

الاختلاف بين المشيئة الكونية والشرعية:

الاختلاف سنة كونية، وقدر واقع لا محالة بمشيئة الله الكونية. قال الله - تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118 - 119] .

والقدر الكوني إن كان شرًا فيجب أن يسعى الإنسان للخروج منه وعدم الوقوع فيه، كالكفر فهو قدر كوني حكم الله بوجوده كونًا، ومع ذلك واجب على كل إنسان أن يجتنبه وكذلك المعاصي، وكل ذلك مقدر شاء الله وقوعه كونًا بناء على علمه باختيار الإنسان؛ فالله - عز وجل - وهب خلقه مشيئة واختيارًا خاضعة لمشيئة الله مع علمه باختيارهم وكتابته له وتقدير كونه منهم.

فالخلاف قد يكون قدرًا كونيًا فيه شر ولا يخلو من خير ـ فالله لا يخلق شرًا محضًا ـ فلا يستسلم له العبد، بل يقاومه بالقدر، فإن لم يزله خفف من آثاره وخرج بأقل أضراره.

مسألة هل الاختلاف رحمة وخير، أم عذاب وشر؟

رُويت في ذلك أحاديث لا تثبت مثل حديث: «أصحابي كالنجوم؛ فبأيهم اقتديتم اهتديتم» (2) ، وحديث: «اختلاف أمتي رحمة» (3) .

ومع عدم ثبوت نص تباينت أقوال السلف في المسألة فأثر: «عن عمر بن عبد العزيز قوله: ما أحب أن أصحاب رسول الله لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولًا واحدًا كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم؛ فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت