فانظر كيف عبَّر بلفظ الإجرام في قوله: (لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا) عما يفعله المؤمنون مع براءتهم من الإجرام و أهله في حقيقة الأمر، في مقابل التعبير بمجرد العمل لما تقترفه أيدي المخالفين مع ما يقع في أفعالهم من إجرام حقيقي في حق أنفسهم و حق المسلمين، حيث قال: (وَ لا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) .
و لا ريب أن ذكر الإجرام في حق المؤمنين ليس إلا تنزلًا في حوار الخصم.
و مثل ذلك قوله - تعالى -لنبيه الكريم فيما أوحاه إليه: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) ، فمجرد افتراض أن يكون لله ولد أمر محال شرعًا و عقلًا، و لا يشك في استحالته عوام المسلمين فكيف بنبيهم الأمين، و لكن الله - تعالى -أذن له - - صلى الله عليه وسلم - - في أن يقوله للمشركين تنزلًا في محاورتهم، لعل ذلك يلزمهم الحجة أو يهديهم المحجة.
و أمام هذه الأمثلة من كتاب الله و غيرها مما كثر و اشتهر في الكتاب و السنة أرى جواز التنزل في مناظرة الخصوم شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى مفسدة أكبر، كإمعانهم في التعنت، أو الطعن في دين الله بسبب تنزل المتنزلين، و اعتبار تنزلهم ضعفًا في الدين.
هذا، و الله أعلم و أحكم، و ما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت و إليه أنيب.
ـــــــــــــــ