خامسًا: القاعدة في المقولة الأولى كما في العنوان زكت رأى القائل مرتين مرة بالجزم بالصواب وإن لم يقل بالوجوب الثانية بالجزم بخطأ الرأي الآخر المخالف له، وإذا كان قائل هذه المقولة والمتمثل بها قد زكى رأيه مرتين، فإنه قد رد وصادر رأي غيره مرتين أيضًا، من بدون برهان أو دليل.
سادسًا: الغريب في الأمر أن القائلين بهذه القاعدة بصيغتيها الفردية والجماعية يقلّدون عند الاقتضاء والحاجة غير إمامهم، فهم بهذا قد أجازوا لأنفسهم تقليد من يعتقدون خطأه. فكيف صار المذهب المخالف صحيحًا ومذهب إمامه الذي يقلده (( مذهبه الأصلي ) )فاسدًا؟ أم أن مذهب إمامه هو الصحيح ومذهب غيره فاسد عنده إلا إذا احتاج العمل به ؟ وهذا تناقض.
سابعًا: إن العامي لا يجوز له التخير بين المذاهب في المسألة الواحدة، لأن مذهب العامي مذهب مفتيه، ثم هو لا يستطيع أن يميز بين الراجح والمرجوح من الأقوال.
ثامنًا: وعلى هذا لا يجوز لمقلد أبي حنيفة - يرحمه الله - مثلا - أن يقول إن أقوال مالك والشافعي وأحمد خطأ لمجرد مخالفتهما لمذهب إمامه، وكذلك لا يجوز لأتباع أحد الأئمة الثلاثة أو غيرهم التصريح بخطأ مذهب أبي حنيفة لمجرد مخالفته لمذهب من يقلده، ولا يتصور أن جميع ما خالفوا به إمامه خطأ وإمامه هو المصيب وحده، لأن الجميع يشتركون في عدم العصمة، وكل من الأئمة الأربعة ورد عنه أنه قال: (( إذا خالف قولي الحديث فاضربوا به عرض الحائط ) ).
تاسعًا: إن حكم أحد الأئمة المجتهدين والمتبوعين حكم شرعي يلزم الأخذ به لمن خوطب به إذا لم يظهر له دليلٌ اصح وأصرح منه.