قال الجنيد: قدس اللّه روحه. معنى ذلك تضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم ويكون اللّه تعالى كما لم يزل. وقيل: من وقع في بحار التوحيد لا يزداد على ممر الزمان إلا عطشا.
اعلم: أن إثبات التوحيد خمسة أشياء في أصول التوحيد لا بدّ لكل مكلف من اعتقادهن.
أحدها: وجود البارئ تعالى ليبرأ به من التعطيل.
ثانيها: وحدانيته تعالى ليبرأ به من الشرك.
و ثالثها: تنزيهه تعالى عن كونه جوهرا أو عرضا. وعن لوازم كل منهما ليبرأ به من التشبيه.
و رابعها: إبداعه تعالى بقدرته واختياره لكل ما سواه ليبرأ به عن القول بالعلة والمعلول.
و خامسها: تدبيره تعالى لجميع مبتدعاته ليبرأ به عن تدبير الطبائع والكواكب والملائكة، وقوله (لا إله إلا اللّه) يدل على الخمسة.
اتفق المسلمون على أن اللّه تعالى موصوف بكل كمال. بريء من كل نقصان، لكنهم اختلفوا في بعض الأوصاف فاعتقد بعضهم أنها كمال فأثبتها له واعتقد آخرون أنها نقصان فنفوها عنه. ولذلك أمثلة:
أحدها: قول المعتزلة إن الانسان خالق لأفعاله، لأن اللّه لو خلقها ثم نسبها اليه، ولأنه لو فعلها مع أنه لم يفعلها وعذبه عليها مع أنه لم يوجدها، لكان ظالما له والظلم نقصان. وكيف يصح أن يفعل شيئا ثم يلوم غيره عليه ويقول له: كيف فعلته ولم فعلته؟ وأهل السنة يقولون:
وجدنا كمال الإله في التفرد ونفي القدرة عيب ونقصان، وليس تعذيب الرب على ما خلقه بظلم بدليل تعذيب البهائم والمجانين والأطفال، لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء: 23] والقول بالتحسين والتقبيح باطل فرأوا أن يكون هو الخالق لأفعال العباد ورأوا تعذيبهم على ما لا يخلقون جائزا من أفعاله غير قبيح.
المثال الثاني: اختلاف المجسمة مع المنزهة. قالت المجسمة: لو لم يكن جسما لكان معدوما ولا عيب أقبح من العدم. وكذا النفي عن الجهات قول بعدمه لأن من لا جهة له لا يتصور وجوده. وقالت المنزهة: لو كان جسما لكان حادثا ولفاته كمال الأزلية والنفي عن الجهات كلها إنما يوجب عدم من كان محدودا منحصرا في الجهات. فأما ما كان موجودا قديما لم يزل ولا جهة فلا ينصرف إليه النفي.
المثال الثالث: إيجاب المعتزلي على اللّه أن يثبت الطائعين كيلا يظلمهم والظلم نقصان، وقول الأشعري: ليس ذلك بظلم إذ لا يجب عليه حق لغيره إذ لو وجب عليه حق غيره لكان في قيده والتقييد بالأغيار نقصان.
المثال الرابع: قول المعتزلة إن اللّه تعالى يريد الطاعات وإن لم تقع، لأن إرادتها كمال