فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 570

و هذا مما أورد في الأخبار التي وردت في إثبات الصورة للّه تعالى حيث قال:"إنّ اللّه خلق آدم على صورته"، وليس المراد به صورة دحية الكلبي وفي غيرها من الصور، حتى أنه رآه مرارا كثيرة وما رآه في صورته الحقيقية إلا مرة أو مرتين، وتمثل جبريل في صورة دحية الكلبي ليس بمعنى أنه انقلب ذات جبريل صورة دحية الكلبي، بل إنه ظهرت تلك الصورة للرسول مثالا مؤديا عن جبريل ما أوحى إليه، وكذلك قوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا

[مريم: 17] . وإذا لم يكن ذلك استحالة في ذات الملك وانقلابا، بل يبقى جبريل على حقيقته وصفته، وإن ظهر النبي في صورة دحية الحلبي فلا يستحيل مثل ذلك في حق اللّه تعالى في يقظة ولا في منام، فهذا ما يدل من جهة الخبر على جواز إطلاقه، وقد ورد عن السلف إطلاق ذلك ونقلت فيه آثار وأخبار، ولو لم يرد فيه إطلاق لكنا نقول: يجوز إطلاق كل لفظة في حق اللّه تعالى صادقة لا منع منه ولا تحريم إذا كان لا يوهم الخطأ عند المستمع، وهذا لا يوهم رؤية الذات عند الأكثرين لكثرة تداول الألسنة له فإن معناه كما يجوز أن تقول: إنّا نحب اللّه تعالى أو نشتاق إليه ونريد لقاءه، وقد سبق إلى فهم قوم من هذه الإطلاقات خيالات فاسدة والأكثرون يفهمون معناه على وجهه من غير خيال فاسد، ويراعى في هذه الإطلاقات حال خيال المخاطب فيجوز الإطلاق من غير كشف ولا تفسير حيث لا إبهام، ويجب الكشف عند الإبهام. وعلى الجملة هذا يرد الخلاف إلى إطلاق اللفظ وجوازه بعد حصول الاتفاق على لفظ المعنى من أن ذات اللّه تعالى مرئية، وأن المرئي مثال، وظن من ظن استحالة المثال في حق اللّه تعالى خطأ، بل نضرب للّه تعالى ولصفاته الأمثال وننزهه عن المثل ولا ننزهه عن المثال وله المثل الأعلى.

قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1] . فرق بين الواحد والأحد، قال اللّه تعالى:

وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [البقرة: 163] . فيقال الإنسان شخص واحد وصنف واحد، والمراد به أنه جملة هي جملة واحدة، ويقال ألف واحد، فالواحد المشار إليه من طريق العقل والحس هو الذي يمتنع مفهومه عن وقوع الشركة فيه، والأحد هو الذي لا تركيب فيه ولا جزء له بوجه من الوجوه، فالواحد نفي الشريك والمثل، والأحد نفي الكثرة في ذاته وقوله تعالى: اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: 2] . الصمد الغني المحتاج إليه غيره وهذا دليل على أن اللّه تعالى إحدى الذات وواحد، لأنه لو كان له شريك في ملكه لما كان صمدا غنيا يحتاج إليه غيره، بل كان هو أيضا يحتاج إلى شريكه في المشاركة أو التثنية، ولو كان له أجزاء تركيب واحد لما كان صمدا يحتاج إليه غيره، بل هو محتاج في قوامه ووجوده إلى أجزاء تركيبه وحده، فالصمدية دليل على الواحدية والأحدية، لَمْ يَلِدْ دليل على أن وجوده المستمر ليس مثل وجود الإنسان الذي يبقى نوعه بالتوالد والتناسل، بل هو وجوده مستمر أزلي وأبدي ولم يولد دليل على أن وجود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت