هم الدنيا والآخرة، ومن تشعبت عليه الهموم لم يبال اللّه تعالى في أي أوديتها هلك، جميع الدنيا من أولها إلى آخرها ما تساوي غم ساعة، فكيف بعمرك القصير مع قليل يصيبك منها، من رضي بما قسم اللّه له بارك اللّه له فيه ووسعه عليه من اكتفى عن السؤال فقد أعطي خير النوال، من احتجت إليه هنت عليه.
إذا أردت أن تعيش حرا فلا تلزم مؤنة نفسك غيرها والزم القناعة، كيف يليق بالحر المريد أن يتذلل للعبيد وهو يجد عند مولاه كل ما يريد، ولو يعلم الناس ما في المسألة ما سأل أحد شيئا. ولو يعلم الناس ما في حق السائل ما حرموا من سألهم أبدا، لو صدق السائل ما قدس من رده. ما من رجل سأل رجلا حاجة فقضاها أو لم يقضها إلا غار ماء وجهه أربعين يوما.
اعلم أن الشفقة على خلق اللّه تعالى تعظيم لأمر اللّه تعالى، وذلك أن تعطيهم من نفسك ما يطلبون وأن لا تحملهم ما لا يطيقون، وأن لا تخاطبهم بما لا يعلمون، ولا بما يعلمون، وأن يسرك ما يسرهم، وأن يحزنك ما يحزنهم وفكرك في كيفية تحصيل منفعتهم الدينية والدنيوية إليهم، وكيفية دفع ما يضرهم في دينهم ودنياهم حتى لو سقط الذباب على وجه أحدهم لوجدت لها ألما في قلبك، وأن تكون لأن تحفظ قلب مؤمن شرعا أحب إليك من كذا وكذا حجة وغزوة، وأن تختار عز أخيك على عزك وذل نفسك على ذل أخيك.
طوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه، قيل: أعظم الذنوب من ظلم من لم يعرفه ولم يره. من أطاع اللّه تعالى سخر له كل شيء، ومن عصاه سخره لكل شيء وسلط عليه كل شيء، لو لم يكن في الإصرار على الذنب من الشؤم إلا أن يكون كل ما يصيبه فهو عقوبة من سعة أو من ضيقة أو صحة أو سقم لكان كافيا، ولو لم يكن في ترك المعصية إلا ضد ذلك لكان كافيا. إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه.
ليست اللعنة سوادا في الوجه أو نقصا في المال إنما اللعنة في أن لا يخرج من ذنب إلا وقع في مثله أو شر منه. لا تكن في التوبة أعجز منك في الذنب ما أنكرت من تغير الزمان والإخوان والزوجات، فالذنوب أورثت ذلك حتى في خلق الدابة وفأر البيت، ونسيان القرآن، أو شيء من العلم، أو نقل تلاوته من الأحرار، والعقوبة موضوعة للشدة والمشقة، فعقوبة كل من حيث يشترك حتى الاحتلام وقد تكون عقوبة الذنب ذنبا مثله إذا عظم كثواب الطاعة. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.