الجنة قول لطيف يتبعه فعل شريف. مكافأة المحسن بأكثر من إحسانه. صاحب مكارم الأخلاق هو الذي لا يحوجك أن تسأله ولا يزال يعتذر ضد اللئيم الذي لا يزال يفتخر، والتغافل عن زلل الإخوان والمسارعة إلى قضاء حوائجهم، وطرح الدنيا لمن يحتاج إليها.
قال اللّه تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [النحل: 97] .
قال كثير من المفسرين: الحياة الطيبة في الدنيا القناعة: والقناعة موهبة من اللّه عزّ وجلّ. وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «القناعة كنز لا يفنى» . وعنه عليه الصلاة والسّلام: «من أراد صاحبا فالله يكفيه.
و من أراد مؤنسا فالقرآن يكفيه، ومن أراد كنزا فالقناعة يكفيه، ومن أراد واعظا فالموت يكفيه، ومن لم يكفه هذه الأربع فالنار تكفيه». وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قنعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما، وأقل من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» . وقيل في قوله تعالى: لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا [الحج: 58] . يعني القناعة.
و قال وهب: إن العز والغنى خرجا يجولان فلقيا القناعة فاستقرا فيها.
و في الزبور: «القانع غني وإن كان جائعا» . وفي التوراة: «قنع ابن آدم فاستغنى اعتزل الناس فسلم، ترك الحسد فظهرت مروءته، تعب قليلا فاستراح طويلا» . وقيل: وضع اللّه تعالى خمسة أشياء في خمسة مواضع: «العز في الطاعة، والذل في المعصية، والهيبة في قيام الليل، والحكمة في البطن الخالي، والغنى في القناعة» .
و قال بعضهم: انتقم من حرصك بالقناعة كما تنتقم من عدوك بالقصاص. وقيل: من تبعت عيناه إلى ما في أيدي الناس طال حزنه. وقيل: إن أبا يزيد غسل ثوبه في الصحراء مع صاحب له فقال له صاحبه: نعلق الثياب في جدران الكروم فقال: لا تغرز الوتد في جدران الناس، فقال: نعلقه في الشّجر.
فقال لا، لأنه يكسر الأغصان. فقال: نبسطه على الحشيش. فقال لا، لأنه علف الدواب، ثم ولّى بظهره للشمس والقميص على ظهره حتى جفّ جانبه، ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر.
من سأل وعنده قوت يومه فقد قطع الطريق على الضعفاء والمساكين، من كانت نيته طلب الآخرة جعل اللّه غناه في قلبه وجمع شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل اللّه تعالى الفقر بين عينيه وشتت شمله وأمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له، ومن جعل الهموم هما واحدا كفاه اللّه