فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 570

القضاء يطلق تارة يراد به الأمر المبرم نحو قوله تعالى: فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [غافر: 68] وتارة يراد به الإعلام بوجوب الحكم الواجب للّه كقوله تعالى: وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23] . إذ لو كان هذا من القضاء المبرم لما عبد غيره تعالى إذ يستحيل تخلف الأثر عن مؤثره، وكذا قوله تعالى: وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 57] .

و المراد به الإعلام اذ لو كان قضاء وحكما مبرما لعبده الكل فنشأ الخلاف لعدم الفرقان.

اعلم: أن اللّه تعالى قضى فيما قضاه أزلا أن بعض الأمور يكون منوطا بالعبد موقوفا عليه في أفعاله وأقواله ما قضاه فقد أمضاه فلا يجوز تغيره ولا يقال: إن اللّه تعالى يغير ما قضاه لأنه تعالى لا يعارض نفسه فيما قضاه، إذا لم يكن عبثا ولا تبعا للشهوات تعالى عن ذلك، وإنما قضى بمقتضى الحكمة وما صدر عن الحكمة فلا مغير له، فما قضاه منوطا بفعل العبد، فكالحرث والنسل، وما قضاه موقوفا على فعل العبد فكالدعاء والاستغفار.

و اعلم: أن اللّه تعالى أثبت فعل العبد في مواضع نحو قوله تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة: 24] وقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] ومحاه في مواضع أخر نحو قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: 17] والحكمة فيه أنه تعالى خالق الأفعال ومقدرها والعبد كاسبها ومسببها، فالعبد يعمل العبادة واللّه تعالى يجازي عليها ولو لا نسبة هذه الأفعال خلقا وكسبا لما سمي عابدا ومعبودا، فثبت أن العبد عابد كاسب وأن اللّه تعالى معبود خالق، واعلم أن الأفعال قسمان:

أحدهما: قوله ما يقع من العبد وهو الكسب المنسوب اليه ولهذا أنزلت الكتب وأرسلت الرسل وثبتت الحاجة الى العقول لتقوم بها الحجة وتتضح بها المحجة.

الثاني: ما يقع على العبد جزاء وهو ما بيد اللّه تعالى ويد العبد، وكلاهما لا يكون إلا بما كسبت يد العبد لقوله تعالى: وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] وما ناسب هذه الآية، فمن فهم هذه الجملة أمكنه أن يفقه المراد من كلام اللّه تعالى فيما هو المضاف الى العباد، ومثال ذلك: قطع الجلاد يد السارق. يصح أن يقال: القاطع هو الجلاد لأنه كاسب، ويصح أن يقال: إن اللّه تعالى هو القاطع بيد الجلاد لأنه تعالى هو المجازي للمقطوع لما بدا منه، ويصح أن يقال: إن السارق هو القاطع ليده لأنه هو المبتدئ لما جناه فلا يقع عليه إلا ببعض ما كسبت يداه، فيكون الفعل الواجد من الرب تعالى جزاء من المقطوع ابتداء ومن القاطع كسبا ولا يناقض أحد أحدا وأدلته واضحة في الكتاب، ومن فهم هذه الجملة حق فهمها لم يخف إلا من نفسه ولم يرج الا رحمة اللّه سبحانه وتعالى. قال: أين عبد اللّه كلنا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت