فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 570

الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صوفيته، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقا معطلا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته.

و قد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من اللّه وضعتا في جبلّتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد شرة الصبا؛ إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر؛ وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام. وسمعت الحديث المروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: «كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه» فتحرك باطني إلى حقيقة الفطرة الأصلية وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها تلقينات، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات، فقلت في نفسي: إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؛ فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي يكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا، لم يورث ذلك شكّا وإنكارا، فإني إذا علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: لا، بل الثلاثة أكثر بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانا وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه؛ فأما الشك فيما علمته فلا.

ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني.

ثم فتشت عن علومي فوجدت نفسي عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة إلا في الحسيات والضروريات. قلت: الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليّات، وهي الحسيات والضروريات، فلا بد من إحكامها أولا لأتيقن أ ثقتي بالمحسوسات وأماني من الغلط في الضروريات، من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليديات، ومن جنس أماني أكثر الخلق في النظريات، أم هو أمان محقق لا غدر فيه ولا غائلة له؟ فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها، فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا؛ وأخذ يتسع هذا الشك فيها ويقول: من أين الثقة بالمحسوسات، وأقواها حاسة البصر؟ وهي تنظر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت