فهرس الكتاب

الصفحة 544 من 570

السم، فليس له أن يشح بالترياق على المحتاج إليه. وكذلك الصراف الناقد البصير، إذا أدخل يده في كيس القلاب، وأخرج منه الإبريز الخالص، واطّرح الزيف والبهرج فليس له أن يشح بالجيد المرضي على من يحتاج إليه، كذلك العالم. وكما أن المحتاج إلى الترياق، إذا اشمأزت نفسه منه، حيث علم أنه مستخرج من الحية التي هي مركز السم، وجب تعريفه؛ والفقير المضطر إلى المال إذا نفر عن قبول الذهب المستخرج من كيس القلاب، وجب تنبيهه على أن نفرته جهل محض، وهو سبب حرمانه عن الفائدة التي هي مطلبه، وتحتم تعريفه أن قرب الجوار بين الزيف والجيد لا يجعل الجيد زيفا كما لا يجعل الزيف جيدا؛ فكذلك قرب الجوار بين الحق والباطل لا يجعل الحق باطلا، كما لا يجعل الباطل حقّا.

فهذا مقدار ما أردنا ذكره من آفة الفلسفة وغائلتها.

ثم إني فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهيمه وتزييف ما يزيف منه، علمت أن ذلك أيضا غير واف بكمال الغرض، وأن العقل ليس مستقلا بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات. وكان قد نبغت نابغة التعليمية، وشاع بين الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق، عنّ لي أن أبحث عن مقالاتهم لأطلع على ما في كتبهم. ثم اتفق أن ورد علي أمر جازم من حضرة الخلافة، بتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم، فلم يسعني مدافعته، وصار ذلك مستحثا من خارج، ضميمة للباعث الأصلي من الباطن، فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم. وكان قد بلغني بعض كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر لا على المنهاج المعهود من سلفهم، فجمعت تلك الكلمات، ورتبتها ترتيبا محكما مقارنا للتحقيق، واستوفيت الجواب عنها، حتى أنكر بعض أهل الحق مني مبالغتي في تقرير حجتهم، وقال: «هذا سعي لهم، فإنهم كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات لو لا تحقيقك لها وترتيبك إياها» وهذا الإنكار من وجه حق، فلقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي رحمهما اللّه تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث:"الرد على البدعة فرض"فقال أحمد"نعم، ولكن حكيت شبهتهم أولا ثم أجبت عنها، فبم تأمن أن يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه ولا يلتفت إلى الجواب، أو ينظر إلى الجواب، ولا يفهم كنهه؟»."

و ما ذكره أحمد حق، ولكن في شبهة لم تنشر ولم تشتهر، فأما إذا انتشرت، فالجواب عنها واجب ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية. نعم، ينبغي ألا يتكلف إيرادها، ولم أتكلف أنا ذلك، بل كنت قد سمعت تلك الشبهة من واحد من أصحابي المختلفين إليّ، بعد أن كان قد التحق بهم، وانتحل مذهبهم، وحكى أنهم يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت