الدعاء ولا تشتغل بحظك فإنه أعلم بمصلحتك.
فإذا صمت فانو بصومك كف النفس عن الشهوات، فإن الصوم فناء مراد النفس وفيه صفاء القلب وضمارة الجوارح والتنبيه على الإحسان إلى الفقراء والالتجاء إلى اللّه والشكر على ما تفضل به من النعم وتخفيف الحساب، ومنّة اللّه في توفيقك للصوم أعظم من أن تقوم بشكرها ومن صومك أن تطلب منه عوضا.
و عن كل جزء من أجزائك زكاة واجبة للّه، فزكاة القلب التفكر في عظمته وحكمته وقدرته وحجّته ونعمته ورحمته، وزكاة العين النظر بالعبرة والغض عن الشهوة، وزكاة الأذن الاستماع إلى ما فيه نجاتك، وزكاة اللسان النطق بما يقربك إليه، وزكاة اليد القبض عن الشر والبسط إلى الخير، وزكاة الرجل السعي إلى ما فيه صلاح قلبك وسلامة دينك.
و المريد إذا حج يعقد النية خوف الرد، واستعد استعداد من لا يرجو الإياب، وأحسن الصحبة، وتجرد عند الإحرام عن نفسه، واغتسل من ذنبه، ولبس ثوب الصدق والوفاء، ولبى موافقة للحق في إجابة دعوته، وأحرم في الحرم من كل شيء يبعده عن اللّه تعالى، وطاف بقلبه حول كرسي كرامته، وصفا ظاهره، وباطنه عند الوقوف على الصفا، وهرول هربا من هواه ولم يتمنّ على اللّه تمني ما لا يحل له واعترف بالخطإ بعرفة، وتقرب إلى اللّه بمزدلفة، ورمى الشهوات عند رمي الجمرات، وذبح هواه وحلق الذنوب، وزار البيت معظما صاحبه، واستلم الحجر رضاء بقضائه، وودع ما دون اللّه في طواف الوداع.
و اطلب السلامة فليت من طلبها وجدها فكيف لمن تعرض للبلاء، والسلامة قد عزت في هذا الزمان وهي في الخمول، فإن لم تكن في الخمول، فالعزلة وليست كالخمول فإن لم تكن عزلة فالصمت وليس كالعزلة، فإن لم تكن في صمت فالكلام بما ينفع ولا يضر وليس كالصمت، وإن أردت السلامة فلا تنازع الأضداد ولا تنافس الأشكال كل من قال أنا فقل أنت، وكل من قال لي فقل لك، والسلامة في زوال العرف، وزوال العرف في فقد الإرادة، وفقد الإرادة في ترك دعوى العلم فيما استأثر اللّه به من تدبير أمرك. قال اللّه تعالى: أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر: 36] . وقال: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ [السجدة: 5] .